قراءة حول الوضع في قطاع غزة

بقلم: ليلاس طرابيه
الوضع في قطاع غزة يمر بتحولات بالغة الأهمية، وقد وصلنا إلى مرحلة معقدة تتشابه جزئيًا مع تلك التي شهدناها في عام 2007، لكن مع اختلافات جوهرية تميز هذه المرحلة. إن الوقوف عند هذه الفروقات يمثل مفتاحًا لفهم كيف سيجري التعامل مع الأزمة الحالية، وكيف يمكن أن تؤثر على الصراع الداخلي والتوجهات المستقبلية في غزة.
1. فارق القوة العسكري:
• المقاومة العسكرية في غزة اليوم تتمتع بقدرة دفاعية وهجومية غير مسبوقة مقارنة بما كان عليه الحال في 2007. حيث أصبح لدى المقاومة في غزة أسلحة متطورة، ليس فقط من حيث العتاد الثقيل والمتوسط، بل من حيث التكتيك العسكري والقدرة على إدارة المعركة. هذه القدرة العسكرية المتزايدة تشكل توازنًا جديدًا يمكن أن يؤدي إلى إضعاف أي محاولة لزعزعة الاستقرار داخل القطاع من قبل فئات تحاول المساس بثوابت المقاومة.
• إذا كانت الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة في 2007 قد شكلت عاملًا مهمًا في زعزعة الوضع الأمني، فإن المقاومة اليوم ليست في وضع مشابه، حيث صار لديها قوة تستطيع تحييد أي محاولة لإعادة الفوضى أو التحريض ضدها. ووجودها العسكري القوي يعزز من شرعيتها الشعبية ويمنحها القوة على فرض سيطرتها في القطاع.
2. التحريض على سلاح المقاومة وشرعيته المجتمعية:
• التحريض الحالي ضد المقاومة ليس مجرد صراع على السلطة أو خلاف سياسي حول السياسات أو الأفراد، بل هو تحريض على إلغاء سلاح المقاومة نفسه، الذي يعتبره الكثيرون أساسًا للحفاظ على الكرامة الوطنية في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي. هذه الفئة المعارضة لسلاح المقاومة تخاطر بالوصول إلى نقطة اللاعودة، حيث يصبح الأمر أكثر من مجرد جدل سياسي إلى مواجهة حقيقية مع مبادئ الشعب الفلسطيني وحقوقه الثابتة.
• هذا التحريض ضد المقاومة قد يفضي إلى حالة من الانقسام المجتمعي على أسس مبدئية وجوهرية، ما يجعل أي تصعيد داخلي غير قابل للعودة إلى الوراء. مقاومة سلاح المقاومة ستكون بمثابة خيانة وطنية، وهو ما يفرض على القوى الثورية الفلسطينية اتخاذ مواقف حاسمة تجاه من يحاولون العبث بتماسك المقاومة. المقاومة الفلسطينية لن تتسامح مع هؤلاء المحرضين، باعتبار أن سلاحها هو الأساس في معركة البقاء.
3. تحريض حركة فتح او بالأحرى السلطة ومكانتها في القطاع:
• حتى في فترة حسم 2007، كان هناك استثناء للسلطة ، حيث استهدفت العمليات العسكرية مواقع السلطة وأتباعها أكثر من استهداف السلطة نفسها. اليوم، ومع تصاعد التحريض ضد المقاومة، فإن السلطة باتت تشكل الرافعة الأساسية لتلك الهجمات على سلاح المقاومة في قطاع غزة. هذا يعكس تحولًا جوهريًا في ديناميكيات الانقسام الفلسطيني.
• إن استمرار السلطة في تنفيذ التحريض ضد المقاومة في غزة، بشكل غير مباشر أو مباشر، يجعل منها هي في دائرة الاستهداف المباشر، حيث قد تجد نفسها في مواجهة مع المقاومة المسلحة التي لم تعد قادرة على التغاضي عن التحريض والتآمر ضد سلاحها. هذا يعني أن اجتثاث السلطة من القطاع قد يكون خيارًا استراتيجيًا للمقاومة، خاصة إذا تبين أنها تشكل خطرًا على الاستقرار الوطني.
4. سرعة الحسم والتصعيد:
• من خلال التجربة التاريخية في 2007، لاحظنا أن المقاومة صبرت على الفوضى لفترة طويلة، مما سمح بحدوث الانقسام الداخلي قبل أن تتخذ قرار الحسم العسكري. ولكن اليوم، قد تكون المقاومة أكثر حسمًا في اتخاذ القرارات السريعة. غزة تمر في مرحلة وجودية، حيث أن الاحتلال الإسرائيلي ليس فقط على الحدود، بل يهدد الوجود الفلسطيني بشكل شامل. هذه الحرب التي يخوضها الشعب الفلسطيني اليوم تتطلب قرارات استراتيجية حاسمة قد لا تحتمل الصبر الطويل الذي كان موجودًا في الماضي.
• الطابع العسكري للمقاومة اليوم قد يجعل أي صراع داخلي يتطور بسرعة كبيرة، مما قد يؤدي إلى حسم سريع للأمور في غضون أيام قليلة. خاصة وأن الشارع الفلسطيني في غزة يتجه بشكل متزايد نحو تأييد المقاومة ويرفض أي شكل من أشكال التحريض ضد سلاحها الا بعض اتباع السلطة الذين يستغلون فئة مستضعفة من الشعب لاشراكهم بالتحريض والفتنة ضد المقاومه لكسب الرأي العام . مع تزايد هذه الضغوط المجتمعية، سيكون لدى المقاومة الشعبية فرصة للرد بشكل حاسم ضد أي فئات أو أطراف تحاول زعزعة الاستقرار الداخلي في القطاع.
5. الحسم الداخلي:
• على الرغم من التحولات الإقليمية والدولية التي قد تؤثر في الوضع الفلسطيني، فإن التهديد الحقيقي الذي تواجهه غزة اليوم يأتي من الداخل. إن رفض بعض الأطراف السياسية لـ سلاح المقاومة ووضعه في دائرة الاستهداف، قد يضع القضية الفلسطينية أمام تحولات غير محسوبة.
• المقاومة قد تكون مضطرة إلى اتخاذ خطوات حاسمة من أجل حماية الثورة وبقاء مشروع المقاومة على الأرض. هذه الخطوات قد تتضمن الاستجابة السريعة لأية محاولات لزعزعة استقرار غزة، وهذا قد يفضي إلى حالة من التطهير الثوري داخل القطاع، حيث سيتم تصنيف كل من يحاول تحريض الشعب ضد المقاومة على أنه خائن.
ختامًا:
إن الوضع في غزة اليوم يشير إلى تحول جوهري في معركة الفلسطينيين على أرضهم. الفوضى الداخلية والتحريض على المقاومة قد تؤدي إلى مرحلة حسم داخلي سريعة وغير مسبوقة. السلطة ، التي تعد العامل الأساسي للتحريض، قد تجد نفسها في مواجهة مع المقاومة المسلحة في القطاع. هذه الأزمة قد تشكل لحظة مفصلية في التاريخ الفلسطيني، حيث قد تفرض المقاومة سيطرتها بالكامل على الوضع، في محاولة لتحقيق الوحدة الوطنية عبر تجذير الشرعية الشعبية لقضيتها الأساسية: المقاومة ضد الاحتلال.
(مصدر الصور: انترنت)