بين التهدئة المعلنة واستمرار الصراع: مقاربة استراتيجية للمشهد الجنوبي

بقلم: العميد الركن د. بهاء حسن حلال
أعاد التصعيد العسكري في جنوب لبنان إلى الواجهة إشكالية قديمة تتعلق بطبيعة مفهوم “وقف إطلاق النار” وحدود تطبيقه الفعلي. فبينما يفترض هذا المفهوم، وفق القواعد العسكرية والقانونية المتعارف عليها، وقفاً متبادلاً للأعمال القتالية من جميع الأطراف، تبدو الوقائع الميدانية أحياناً أكثر تعقيداً من التعريفات النظرية التي تُصاغ في البيانات السياسية والدبلوماسية.
خلال المرحلة الأخيرة من المواجهة، لم تقتصر العمليات العسكرية على تبادل النيران عبر الحدود، بل اتخذت بعداً أوسع ارتبط بمحاولات فرض معادلات أمنية جديدة وإعادة تشكيل الواقع الميداني في المناطق الجنوبية. وفي هذا الإطار، برزت مناطق ذات أهمية عملياتية خاصة، وفي مقدمتها محيط قلعة الشقيف، بوصفها إحدى النقاط التي تختصر التداخل بين الجغرافيا والتاريخ والاستراتيجية العسكرية.
ولا تكتسب هذه المنطقة أهميتها من رمزيتها التاريخية فحسب، بل من موقعها الذي يتيح الإشراف على نطاق جغرافي واسع، ما يجعلها جزءاً من الحسابات العسكرية المرتبطة بالسيطرة والمراقبة وإدارة العمليات. لذلك فإن أي تحرك باتجاهها يتجاوز البعد التكتيكي المباشر ليعكس أهدافاً أوسع تتعلق بإعادة رسم البيئة الأمنية في الجنوب.

في المقابل، أظهرت المواجهات اعتماد أنماط قتال تستند إلى المرونة والمناورة والاستنزاف، وهي من السمات الرئيسية للحروب غير المتناظرة في العقود الأخيرة. فمثل هذه الاستراتيجيات لا تهدف دائماً إلى منع التقدم العسكري بصورة مطلقة، بل إلى رفع كلفته وتحويل الإنجازات الميدانية المحدودة إلى عبء سياسي وعسكري على الطرف المهاجم.
ومع تطور العمليات، بدا أن ساحة المواجهة لم تعد محصورة في المناطق الحدودية، بل امتدت آثارها إلى العمق لدى الطرفين. وهنا برز عنصر جديد في المعادلة يتمثل في انتقال الضغط من الميدان المباشر إلى مستوى التأثير الاستراتيجي الأوسع، حيث أصبحت حسابات الجبهة الداخلية جزءاً أساسياً من عملية صنع القرار العسكري والسياسي.
لكن النقطة الأكثر حساسية ظهرت مع تزايد الحديث الدولي عن ضرورة تثبيت وقف لإطلاق النار. فالإشكالية لم تكن في المبدأ نفسه بقدر ما كانت في تفسيره وآليات تطبيقه. إذ إن أي تفاهم لا يحدد بصورة واضحة حقوق والتزامات جميع الأطراف يفتح الباب أمام قراءات متناقضة قد تجعل الهدوء المعلن مختلفاً عن الواقع الفعلي على الأرض.

ومن منظور استراتيجي، يصعب الحديث عن استقرار مستدام في ظل استمرار التهديدات الأمنية أو العمليات العسكرية أو الاعتداءات التي تطال المدنيين والبنية الاجتماعية والعمرانية. فالتاريخ الحديث للصراعات يبين أن التهدئة لا تصبح قابلة للحياة إلا عندما تستند إلى درجة معقولة من التوازن والوضوح المتبادل.
– لهذا السبب تبرز تساؤلات جوهرية حول بعض المقاربات السياسية المطروحة. فهل المقصود هو وقف شامل للأعمال العسكرية من جميع الجهات؟
– أم أن المقاربة المطروحة تقوم على ضبط سلوك طرف واحد مقابل استمرار طلاق النار من قبل العدو بشكل واسع وبحرية الحركة قصر اخضر من الداعم الإميركي وموافقة غير مفهومة من الدولة اللبنانية تحت مسمى فصل الملف اللبناني عن الملف الايراني؟
إن الإجابة عن هذا السؤال هي التي تحدد فعلياً ما إذا كنا أمام وقف إطلاق نار حقيقي أم أمام مرحلة جديدة من إدارة الصراع بأدوات مختلفة حيث الخيار الرسمي هو اللجؤ إلى التفاوض المباشر دون أوراق قوة بدلا عن حيازة اهم ورقة قوة وهي مضيق هرمز وثبات مستمر على الطرح الإيراني .
إن أي تسوية لا تأخذ في الاعتبار متطلبات الأمن والسيادة وحماية السكان ستواجه صعوبات كبيرة في الاستمرار. فالاستقرار لا يُفرض بالقوة وحدها، كما لا يُبنى على تفاهمات غامضة قابلة لتفسيرات متناقضة، بل على قواعد واضحة تضمن الحد الأدنى من التوازن بين الأطراف المعنية.
وفي الحالة اللبنانية الراهنة، يبدو التحدي الأساسي أبعد من مجرد وقف العمليات العسكرية المباشرة. فالقضية تتعلق أيضاً بكيفية منع استمرار الحرب تحت مسميات سياسية مختلفة، وبالتنسيق مع من يدعم ويتماهى، وبكيفية تحويل التهدئة من حالة مؤقتة لإدارة التوتر إلى مدخل فعلي لتثبيت الاستقرار.

وقد يكون من المفيد التذكير هنا بالمقولة الشهيرة للمنظّر العسكري الألماني كارل فون كلاوزفيتز، الذي رأى أن الحرب امتداد للسياسة بوسائل أخرى. غير أن تجارب العقود الأخيرة أظهرت في المقابل أن السياسة نفسها قد تتحول أحياناً إلى امتداد للحرب بأدوات مختلفة. ومن هذا المنطلق، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في وقف إطلاق النار، بل في منع تحوّل مفاهيم التهدئة والتسوية إلى مجرد آليات لإدارة النزاع وإطالة عمره بدلاً من الوصول إلى معالجات أكثر استقراراً وديمومة.



