تحقيقات

الانتخابات العراقية: صناديق أغلقت وصراعات فُتحت

بقلم: آية يوسف المسلماني

الانتخابات العراقية الأخيرة لم تُغلق فصلاً سياسياً بقدر ما فتحت أبواب مرحلة جديدة من التجاذبات.
فبعد إعلان النتائج، بدا أنّ ما ينتظر العراق ليس احتفالاً بالديمقراطية، بل جولة جديدة من الصراع على السلطة داخل الإطار التنسيقي وبين القوى المتنافسة على النفوذ الداخلي والخارجي.

أُسدل الستار وصدرت النتائج.
السوداني حصد أكبر عدد من الأصوات، لكنّ المعركة الحقيقية لم تنتهِ بعد، بل بدأت الآن.
فكما هو الحال في المشهد العراقي دائماً، لا تُختتم المعارك عند إعلان النتائج، بل تُفتح فصول جديدة من التفاوض، والتجاذب، والمساومات.

الإطار التنسيقي، الذي يُعد اليوم بمثابة الحزب الحاكم الفعلي، يمتلك مفتاح المرحلة المقبلة.
فهو من يسمّي رئيس الحكومة، وهو الذي يُسهّل أو يُعقّد عملية تشكيلها وفق توازناتٍ دقيقة داخل مكوّناته المتعدّدة.
ورغم ما يعانيه الإطار من اختلافات داخلية حادّة، إلا أنّه أعلن قبل أيام عن تفاهم داخلي، وعن نية لتسهيل العملية السياسية ضمن المهل الدستورية اللازمة لتسمية رئيسٍ جديدٍ للحكومة وتشكيلها.

لكنّ هذا التفاهم يبدو هشّاً، إذ تشير المعطيات إلى أنّ عودة السوداني إلى رئاسة الحكومة ليست محسومة بعد.
فهناك تسريبات تتحدث عن تسوية ممكنة قد تُنتج اسماً جديداً مقبولاً من جميع أطراف الإطار، بما يضمن الحفاظ على التوازنات الداخلية وتخفيف الضغوط الخارجية.
ومع ذلك، تبقى احتمالات الخلاف قائمة، بل مرجّحة، في ظل استمرار التدخلات الإقليمية والدولية التي تعمل على تعميق الانقسام بين الفصائل والأحزاب الشيعية، بهدف إضعاف وحدة الإطار وإبقائه منقسماً.

ما يجري اليوم يعكس مأزق السياسة العراقية منذ عام 2003 حتى الآن: تعددية ظاهرية تُخفي وراءها شبكة معقّدة من الولاءات والمحاور. فصندوق الاقتراع في العراق لا يُغلق فعلاً بعد انتهاء التصويت، لأنّ القرار النهائي لا يُصنع داخل الصندوق، بل في كواليس التفاهمات الإقليمية وتوازنات القوى الداخلية.

وبينما ينتظر العراقيون حكومة جديدة قد تعيد شيئاً من الاستقرار، يبدو أنّ الطريق إليها ما زال مليئاً بالعقبات.
فكل تسوية ممكنة تحمل في طيّاتها أزمة مؤجلة، وكل توافق معلن يخفي وراءه اشتباكاً صامتاً على النفوذ والسلطة.

إنّ الانتخابات العراقية، في جوهرها، ليست مجرّد تنافس على المقاعد، بل اختبار دائم لقدرة النظام السياسي على البقاء موحّداً في وجه الانقسام، وقدرة الدولة على أن تكون أكبر من أحزابها.

لكن السؤال يبقى مفتوحاً: هل ستلد هذه الانتخابات حكومة تُعيد ثقة العراقيين بدولتهم، أم أنّها ستكرّس مرة أخرى واقع المحاصصة والانقسام الذي أصبح جزءاً من يوميات العراق السياسية؟
ثمّ يبرز سؤال آخر لا يقلّ خطورة: كيف سيتعامل الرئيس الجديد مع الضغوط الأميركية المتزايدة، ومع التحدّي المتمثل في الحفاظ على علاقة متوازنة مع إيران؟
هل سيتمكّن من لعب دور الوسط، أم سيكون مضطراً إلى السير على مسار محدد يفرضه الواقع الإقليمي والدولي؟
فالعراق اليوم يقف عند مفترقٍ حساس، حيث لم يعد التحدّي في تشكيل الحكومة فحسب، بل في صياغة توازن جديد يحفظ سيادته ويتيح له اتخاذ القرارات بما يخدم مصالحه الوطنية وسط لعبة القوى الدولية والإقليمية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى