عربي ودولي

التغطية الصحافية في مرمى النيران”… جلسة أساسية في المؤتمر العالمي للصحافيين العلميين

شارك فيها صحافيون من لبنان واليمن ومصر ونيجيريا "التغطية الصحافية في مرمى النيران"... جلسة أساسية في المؤتمر العالمي للصحافيين العلميين

أثارت الجلسة النقاشية التي تضمنها المؤتمر العالمي للصحافيين العلميين تحت عنوان “التغطية الصحافية في مرمى النيران”، أهمية بالغة كونها تطرقت إلى المخاطر والتحديات التي يواجهها الصحافيون العلميون في مناطق النزاع والصراعات، وفي البلدان ذات الأنظمة الاستبدادية والقمعية. عُقدت الجلسة عقب الافتتاح الرسمي للمؤتمر الذي استضافته بريتوريا، العاصمة السياسية والإدارية لجنوب أفريقيا. وتحدث خلالها صحافيون من لبنان واليمن ومصر ونيجيريا، تطرقوا إلى ما يصادف عملهم اليومي وتغطيتهم الصحافية العلمية من عوائق وصعوبات في الوصول إلى المعلومات، فضلاً عن المعطيات المضللة، لا سيما في الدول التي تشهد الحروب والكوارث والأزمات، أو تلك التي تُحكم بالقمع السياسي وتعتمد الرقابة والتهديدات الأمنية.

وكان المؤتمر العالمي للصحافيين العلميين انطلق بنسخته الثالثة عشرة مطلع الشهر الحالي كانون الأول/ ديسمبر، ولأول مرة في القارة الأفريقية، وذلك خلال حفل أقيم برعاية وحضور وزير العلوم والتكنولوجيا والابتكار في جنوب أفريقيا، بليد نزيماندي، تحت شعار “الصحافة العلمية والعدالة الاجتماعية: صحافة تؤسّس للوعي والمرونة”. وعلى مدى خمسة أيام، تعمّق نحو 450 مشاركاً و199 متحدثاً من 73 دولة في 58 جلسة، إلى جانب ورش عمل مكثفة.

وناقش الخبراء والباحثون الدوليون وصنّاع القرار والصحافيون والناشطون في مجالات العلوم والصحة والبيئة والتكنولوجيا التحديات الراهنة، خصوصاً في ظل الأزمات والحروب المتصاعدة، وانعدام الأمن الغذائي، وانتشار الأوبئة والأمراض، وتداعيات تغيّر المناخ.
وسلّط المتحدثون الضوء على أهمية التحلي بالشجاعة والمصداقية والمهنية في تغطية قضايا الأمراض والأوبئة والصحة العامة والبيئة والمناخ والتقدم التكنولوجي، بحيث يكمن دور الصحافة العلمية في الدفاع عن الحقيقة العلمية والعدالة الاجتماعية، وعرض الاستراتيجيات المرنة والخطط البنّاءة التي ترتكز على الدراسات والتقارير العلمية الموثوقة. وقد خلقت تجارب الصحافيين الأربعة الكثير من الأسئلة والمداخلات، كونها شملت حرب الإبادة الجماعية في غزة والحرب الإسرائيلية على لبنان وحرب اليمن وموجة العنف الأخيرة في نيجيريا.

شهادات حيّة نسفت الادّعاءات الإسرائيلية

أدار الجلسة النقاشية المراسل الدولي الأول في مجلة “Science”، الصحافي الأميركي ريتشارد ستون، المتخصص في تغطية القضايا العلمية من مناطق النزاع. واستُهلّت الجلسة بمداخلة المحررة والمراسلة اللبنانية في صحيفة وموقع “العربي الجديد”، سارة مطر، التي عرضت تجربتها في تغطية قضايا الصحة والإغاثة خلال الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان عام 2024. وقالت مطر: “واكبتُ الحرب الأليمة وقابلتُ النازحين، وواجهتُ المخاطر أسوة بغيري من صحافيّي لبنان، بدءًا من خطورة التنقل بسبب استهداف المسيّرات الإسرائيلية للسيارات على امتداد لبنان، مرورًا بصعوبة التغطية تحت وطأة القصف، وصولًا إلى محاولات منعنا من دخول بعض مراكز الإيواء بهدف تفادي الفضيحة المدوّية المتمثلة بانعدام أبسط مقوّمات الحياة”. وتحدثت عن تضارب المعطيات وانتشار المعلومات المضللة ومحاولات التملص من الإجابة، سواء لجهة عدد النازحين أو الشهداء والجرحى أو عدد المستشفيات والمراكز الصحية المتضررة أو حجم المساعدات والإمكانيات أو حتى حجم الأضرار والخسائر. وأكدت مطر أهمية استقاء المعلومات من مصادرها الموثوقة، وتدعيمها بأرقام وإحصاءات المنظمات الدولية، وبالتالي تمسّك الصحافيين بنقل الحقيقة بكل السبل المتاحة، وتسليط الضوء على قضايا الفئات الهشّة، وفضح ارتكابات جيش الاحتلال الإسرائيلي، مع الحفاظ قدر الإمكان على سلامتهم الشخصية.

واستعانت مطر بصور الزميلين خالد عيّاد وحسين بيضون لشرح مدى فظاعة الحرب الإسرائيلية على لبنان، وحجم معاناة النازحين.
بينما تطرق رئيس تحرير الشبكة اليمنية للعلوم والبيئة (Yemen Science)، عبدالرحمن أبوطالب، إلى واقع الصحافة العلمية في اليمن، والمخاطر الأمنية الجسيمة التي تهدّد حياة الصحافيين والعاملين في المجال الإعلامي من قبل أطراف الصراع. وتطرّق إلى أحدث الهجمات التي أودت بحياة أكثر من 30 صحافياً، جرّاء غارات جوية إسرائيلية استهدفت مؤسسات إعلامية في صنعاء خلال سبتمبر/ أيلول الماضي. كما استعرض أبوطالب تجربته الشخصية في تغطية قضايا علمية وبيئية حساسة، موضحاً أن الانقسام السياسي والأمني في البلاد يشكّل عائقاً أساسياً أمام التحرك الميداني، ويقيّد الوصول إلى مناطق البحث وجمع البيانات. وتحدث عن صعوبات إضافية تتعلق بالحصول على مصادر موثوقة ومعلومات علمية دقيقة في ظل تعدد السلطات، مؤكداً أن “الصحافي العلمي في مناطق النزاع لا يواجه فقط تحديات مهنية وتقنية، بل يعمل في سياق معقّد تتداخل فيه القيود السياسية مع المخاطر الأمنية”.

بدوره، عرض الصحافي النيجيري في صحيفة “Daily Trust” حسيني غاربا حجم المخاطر التي يواجهها الصحافيون في نيجيريا مؤخراً وسط الهجمات المسلحة وعمليات الخطف في المناطق الشمالية المضطربة، والتي أدت إلى إعلان حالة الطوارئ واستقالة وزير الدفاع النيجيري قبيل ساعات من انعقاد الجلسة. كما سرد حادثة اقتحام مكتبه من قبل قوات حكومية عقب تقارير لم ترُق لسلطات البلاد، مؤكداً أهمية تأثير الصحافة العلمية على الرأي العام في حال كانت تتّسم بالمهنية والمصداقية.

واختصر الصحافي المصري عمرو راجح، وهو مراسل مستقل لشبكة “SciDev.Net” الشرق الأوسط، ومنصة “الجزيرة نت”، تجربته في تغطية القضايا الصحية والبيئية خلال حرب الإبادة الجماعية في غزة. وإذ شدّد على ضرورة حماية الصحافي لمصادره، أسف لاستشهاد بعض المصادر التي ساعدته في إعداد تقاريره الصحافية. ودعا الصحافيين المشاركين في المؤتمر من مختلف أنحاء العالم إلى تغطية الانتهاكات والمجازر الإسرائيلية بحق الفلسطينيين، بمهنية ومصداقية عوض الارتكاز على رواية الإعلام الغربي المُنحازة لسردية الاحتلال الإسرائيلي.

فرصة لتغطية إعلامية منصفة للقارة السمراء

وفي حديث خاص، أشاد رئيس قسم الاتصالات في رابطة الصحافيين المستقلين في جنوب أفريقيا، مَكولولي شيمُويو، بالمؤتمر العالمي الذي يُعدّ بالغ الأهمية كونه يجمع الأصوات المطالبة بالعِلم والحقيقة والعدالة والمهنية من شتّى أنحاء العالم، بهدف تبادل الخبرات والآراء، وتعزيز دور التقارير الصحافية القائمة على الأدلة والحقائق العلمية. وتابع الصحافي العلمي: “شكّل انعقاد المؤتمر في جنوب أفريقيا فرصة لتسليط الضوء على قضايا القارة السمراء التي لم تحظَ بالتغطية الإعلامية الكافية والمنصفة، كما أنه يساهم في بناء شراكات إقليمية ودولية تعزّز جودة العمل الصحافي وتأثيره على الرأي العام”.

وكشف شيمُويو أن الصحافيين العلميين في جنوب أفريقيا ومعظم أنحاء القارة يواجهون تحديات حقيقية، إذ أن التمويل محدود، والعديد من المؤسسات الإعلامية والصحافية لا تملك أقساماً علمية متخصّصة، ولا يزال الوصول إلى المعلومات العلمية الدقيقة أمراً صعباً. وأضاف: “نواجه كذلك التضليل الإعلامي والروايات المُسيّسة التي تُصعّب الوصول إلى تقارير دقيقة. لكن على الرغم من كل هذه التحديات، فإنّ الصحافيين العلميين الأفارقة يتّسمون بالالتزام والمسؤولية وحسّ الابتكار. وممّا لا شك فيه أنّ مؤتمرات كهذه تُساعدنا على مواصلة مسار الارتقاء بمستوى التغطية الصحافية والإعلامية”.

مستقبل الصحافة العلمية ومكافحة التضليل بالذكاء الاصطناعي
وتخللت المؤتمر العالمي جلسة ختامية بارزة جمعت نخبة من الصحافيين من مختلف أنحاء العالم لمناقشة الهواجس التي تواجه الصحافة العلمية الحديثة، تحت عنوان “كيف يعمل الصحافيون في ظل التدهور البيئي والاضطرابات السياسية، وهل يمثّل الذكاء الاصطناعي مستقبل هذه الصحافة أم نهايتها، أم يبقى مجرّد تقنية عابرة؟”. وتحدث الصحافي الهندي شاكور راذَر عن مستقبل الصحافة العلمية وسبل مكافحة التضليل بالذكاء الاصطناعي، حيث أكد أن الذكاء الاصطناعي ليس نهاية الصحافة، بل هو تحدٍّ حاسم سيحدد مستقبلها، ومرآة تعكس خياراتنا. وقال راذَر، وهو مدير منصة “Science Matters” التثقيفية ورئيس التحرير السابق لموقع “INDIAai”: “إمّا أن نسمح للذكاء الاصطناعي أن يأخذ مكاننا، أو أن نستخدمه في تعزيز أسمى صفاتنا الإنسانية، من فضول المعرفة والتفكير النقدي، إلى الجرأة في طرح الأسئلة الحرجة”. وكان راذَر الصحافي العلمي الذي يتمتع بخبرة 14 عاماً في التغطية الصحفية من 15 دولة، تحدث في ورشة عمل متخصصة عن التضليل الإعلامي وأدوات التحقق الذكية، مُزوّدًا الصحافيين بتقنيات عملية لمكافحة المحتوى الزائف المُولّد بواسطة الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك تقنيات البحث العكسي عن الصور، وتحليل البيانات الوصفية، وبرامج الكشف الذكية. وأوضح أن “التضليل الإعلامي ليس مجرد معلومات خاطئة، بل هو معلومات مُصمّمة لإثارة البلبلة والانقسام وتقويض الثقة. وبصفتنا صحافيين، لسنا مجرد مدققين في الحقائق، بل إنّنا بمثابة جهاز المناعة الحصين للديمقراطية”. وشدد راذَر على أن “الأداة الأقوى ليست البرمجيات، بل التشكيك في كل شيء، والتحقق بلا هوادة، وعدم التضحية بالدقة من أجل السرعة”.

ورأى راذَر أن انعقاد المؤتمر العالمي للصحافة العلمية في أفريقيا له دلالة خاصة، خصوصاً أن وجهات النظر الغربية هيمنت لسنوات على الصحافة العلمية. كما أنه يشكل فرصة لتعزيز التعاون الدولي والتشبيك مع صحافيين يخوضون معارك مماثلة عبر القارات، وسط ​​ما نشهده من فوضى المعلومات. وختم بالقول: “لهذا أطلقنا منصة “Science Matters” بالشراكة مع منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو). والسؤال ليس إن كان الذكاء الاصطناعي سيُحدث تحولًا في الصحافة العلمية، فقد فعل ذلك، لكن السؤال الحقيقي ما إذا كنا سنحافظ على نزاهتنا التحريرية والتزامنا بالحقيقة مع ازدياد قوة هذه الأدوات وتأثيرها”.

فرصة هائلة لمقاربة التحديات

وعن أهمية المؤتمر العالمي، رأى المراسل العلمي الأميركي المستقل، آري دانيال، أنّه “فرصة هائلة جمعت نخبة من الخبراء والصحافيين حول العالم، ولا سيّما من القارة الأفريقية، من أجل مناقشة قضايا عدة تركز على الصحافة العلمية، وبحث كيفية مقاربة الإشكاليات والتحديات في ظل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي والمعلومات المضللة، ما يحتّم معالجة القضايا الشائكة التي تواجه الكوكب”.

وأشاد بالنقاشات الإيجابية التي تضمنها المؤتمر بشأن الصحة العامة وتغير المناخ والذكاء الاصطناعي، متحدثاً عن لقاءات مهمة ومثمرة عزّزت أطر التواصل بين المشاركين الدوليين.

واعتبر آري دانيال أن “التحديات التي تواجه الصحافيين العلميين تتنوّع وتختلف بين الدول، لكن هناك الكثير من التحديات المشابهة، من بينها مقاربة المواضيع العلمية بطريقة مهنية مبسّطة تصل إلى شريحة واسعة من الرأي العام”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى