ميكروفونات أكبر من أعمارهم… أصغر صحافيي Talento ينقلون وجع الجنوب بلغة الأمل
فرح جهمي
تصوير: خالد عياد

في مشاهد مسرحية تجمع بين الطفولة والخيال والكثير من الضحكات والرسائل السياسية الذكية، وجد أطفال Talento طريقة مختلفة للتعبير عن وجع الحرب المستمرة على جنوب لبنان، والاعتداءات اليومية التي تطال قراهم وتؤثر في عائلاتهم وحياتهم اليومية، فحوّلوا الألم إلى نشاط مسرحي ترفيهي حول المعنى الحقيقي للمقاومة والصمود، إضافة إلى الرسائل القوية عن الأمن والأمان، التمسك بالأرض، وحق الإنسان في أن يعيش بكرامة بعيداً عن الخوف والاستسلام.





على خشبة المسرح الصغيرة، لم تكن الحرب حاضرة بصورتها القاسية والموت والدمار، بل ظهرت بصورة مختلفة من خلال مجموعة من الأطفال بأعمار متفاوتة يتقمصون الشخصيات ويتنقلون بينها بسلاسة، يتحدثون بكل جرأة عن الواقع السيء في لبنان ويسخرون من الاتفاقات الرسمية المطبقة على الجنوب، بأسلوب طفولي طريف لا يخلو من الرسائل والمواقف الساخرة والذكية في مضمونها. على خشبة المسرح،
تمكن نحو 30 طفلاً من نشر الفرح والأمل واستعادة تفاصيل يعرفونها جيداً: صحافية بشعر طويل تحمل ميكروفوناً أكبر من حجمها، ومراسلون يحاولون نقل الخبر وسط فوضى الاحداث، وشخصيات تبعث بالرسائل السياسية والاجتماعية في إطار كوميدي يحاكي الواقع الصعب في لبنان، من خلال كلمات طفولية تعبّر عن صدق مشاعرهم.
وعبروا عن مأساة الفقد وإجرام العدو الإسرائيلي مع كل إعلامي فقد حياته دفاعاً عن حرية الكلمة والصوت، باحثين عن طريق العودة إلى قراهم الحدودية واراضيهم المحتلة، قبل أن تنتهي المشاهد برسالة واضحة إلى كل الشهداء المضحين وعهد بريء بأن الأرض لن تبقى محتلة ولن تصبح مجرد حدود على الخريطة، بل بيت وذاكرة وهوية ومستقبل. تحوّل الصحافي، الشخصية الأهم ضمن فقرات النشاط إلى بطل حقيقي، فبدلاً من تصوير الصحافة على أنها مهنة الخطر والخوف، ظهر الصحافيون الصغار وهم يرتدون الجيلي السوداء مدوّن عليها عبارة “Press”، تخليداً لأرواح الأقلام الحرة التي نقلت الواقع المرّ في الجنوب ودافعت حتى الشهادة عن الكلمة الصادقة.











وببراءة الأطفال، شهدت المسرحية بعض الأخطاء البسيطة من الأطفال الصحافيين، التي تفاعل معه الحضور بشكل واسع وسيطر صوت الضحكات على أجواء المسرح، فالضحك هنا لم يكن تجاهلاً للوجع، بل وسيلة لتجاوزه. الرسالة التي حملها النشاط المسرحي بدت أعمق من مجرد عرض ترفيهي، فالأطفال الذين يعيشون أجواء الحرب بكل ما تحمله من مآسي وويلات، عبّروا بطريقتهم عن رفضهم لأن تصبح مشاهد الخوف جزءاً طبيعياً من طفولتهم.
أرادوا لبناناً يستطيع فيه الصحافي أن يعمل بأمان، والطفل أن يعيش عمره في قريته بسلام وأن يعود الناس الى القرى الحدودية من دون خوف، لأن الجيل الجديد لا يريد أن يرث هذه العادة. فجاءت المشاهد عبارة عن صورة مختلفة للبنان الذي يريده البعض، لبنان الذي لا يُختصر بالحرب ولا بالأزمات، بل بقدرة أبنائه على إعادة البناء والتعلم والتطور. وبين ضحكة طفل وميكروفون ومشهد مسرحي بسيط، خرجت رسالة كبيرة من أطفال Talento: حين يتحول وجع الحرب إلى وعي، يمكن للطفولة أن تصبح بداية الأمل، ويمكن للبنان أن يكتب مستقبله بعيداً عن لغة الدمار والانبطاح واللستسلام.








