لبنان على مفترق طرق

بقلم: الباحث العسكري والاستراتيجي العميد الركن.م. بهاء حلال
لبنان يقف اليوم عند مفترق طرق حاسم، حيث تتقاطع الضغوط الدولية مع التوترات الداخلية، في ظل تجاذب متصاعد بين الحكومة اللبنانية وحزب الله حول ملف السلاح. زيارة المبعوث الأميركي توم براك الأخيرة إلى بيروت جاءت لتكرّس هذا الواقع، وتضع البلاد أمام سيناريوهات متباينة تتراوح بين التهدئة والتصعيد.
أولاً: التوتر الداخلي : الحكومة مقابل حزب الله
منذ انتخاب قائد الجيش السابق جوزيف عون رئيساً للجمهورية، وتشكيل حكومة برئاسة نواف سلام، برزت مقاربة جديدة تُركّز على حصر السلاح بيد الدولة. هذا التوجه تجلّى في خطاب رئيس الجمهورية خلال عيد الجيش، حيث دعا صراحةً إلى تسليم سلاح حزب الله، في خطوة غير مسبوقة منذ اتفاق الطائف.
الجلسة الحكومية المرتقبة، والتي ستُناقش ملف السلاح، تُعتبر محطة مفصلية في تاريخ لبنان السياسي. فهي المرة الأولى التي يُطرح فيها هذا الموضوع مباشرة على طاولة الحكومة، مما يعكس تحولاً في المناخ السياسي الداخلي، حيث بدأت تتبلور قناعة بضرورة حصر السلاح بيد الجيش اللبناني في ظل ضغط عربي ودولي متصاعد يدفع في هذا الاتجاه.
في المقابل، يُبدي حزب الله وحليفته حركة أمل تحفظاً على هذا المسار، مع تلميحات إلى إمكانية مقاطعة الجلسة، دون حسم القرار بعد. هذا التباين يُشير إلى تصاعد التوتر بين الطرفين، ويُنذر بمواجهة سياسية قد تتطور إلى أزمة حكومية
ثانياً: زيارة براك – رسائل ضاغطة وتحوّل في المقاربة الأميركية
زيارة المبعوث الأميركي توم براك إلى بيروت حملت لهجة حازمة، حيث أعلن بوضوح أن واشنطن لم تعد في مرحلة استكشاف المواقف، بل انتقلت لممارسة ضغط مباشر على الدولة اللبنانية، واضعة سلاح حزب الله في صلب أولوياتها.
براك شدد على أن سلاح حزب الله “قضية داخلية لبنانية”، مما يُعتبر إعلاناً لتخلي واشنطن عن التدخل المباشر في هذا الملف، وتركه للبنانيين لتقرير مصيره. كما ألمح إلى عدم قدرة بلاده على الضغط على إسرائيل لاتخاذ خطوات محددة، ما قد يُفسَّر كتمهيد لسحب واشنطن دورها كوسيط في ملف وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل، في حال استمر غياب المبادرة اللبنانية.
هذا التحول يُضيق هامش المناورة لدى السلطات اللبنانية، ويضعها أمام خيارات صعبة، في وقت تتزايد فيه الضغوط الاقتصادية والسياسية، داخلياً وخارجياً.
ثالثاً: السيناريوهات المتوقعة
1. التهدئة المشروطة:
قد تسعى الحكومة اللبنانية إلى تبني خطة تدريجية لحصر السلاح بيد الدولة، مع تقديم ضمانات لحزب الله بعدم استهدافه سياسياً، مقابل التزام الحزب بعدم استخدام السلاح داخلياً.
2. التصعيد السياسي:
في حال إصرار الحكومة على تنفيذ خطة حصر السلاح دون توافق مع حزب الله، قد يُقدم الأخير على خطوات تصعيدية، مثل تعطيل عمل الحكومة أو اللجوء إلى الشارع، مما يُهدد الاستقرار الداخلي.
3. الوساطة الدولية:
قد تتدخل أطراف دولية، مثل فرنسا أو الأمم المتحدة، للوساطة بين الحكومة وحزب الله، بهدف التوصل إلى تسوية تُرضي جميع الأطراف، وتُجنب البلاد الانزلاق نحو الفوضى.
رابعاً: هل تحمل زيارة براك جديداً؟:
زيارة براك تُعتبر تحوّلاً في المقاربة الأميركية تجاه لبنان، حيث انتقلت واشنطن من مرحلة الاستكشاف إلى ممارسة ضغط مباشر على الدولة اللبنانية، واضعة سلاح حزب الله في صلب أولوياتها. هذا التحول يُشير إلى أن لبنان لم يعد قادراً على المراوغة، وعليه اتخاذ قرارات حاسمة بشأن مستقبل سلاح حزب الله، وإلا سيواجه مزيداً من الضغوط والعزلة الدولية
خاتمة: لبنان أمام مفترق طرق
لبنان اليوم أمام مفترق طرق حاسم، حيث تتقاطع الضغوط الدولية مع التوترات الداخلية. الخيارات المتاحة ليست سهلة، وتتطلب قرارات جريئة من جميع الأطراف، للحفاظ على استقرار البلاد ووحدتها. المرحلة المقبلة ستكون اختباراً حقيقياً لقدرة اللبنانيين على تجاوز خلافاتهم، وبناء دولة قوية قادرة على مواجهة التحديات.


