تحقيقات

حماس بين المرونة والتشدد: رد مدروس يربك الخصوم ويؤكد الثوابت

بقلم: أ.عماد العيسى / كاتب فلسطيني

في خضم التوترات السياسية والأمنية التي تلفّ المنطقة، كان الجميع يدرك أن أي رفض مباشر من حركة حماس للمبادرات الدولية سيعني تفجير الموقف ووصوله إلى حدّ الانفجار السياسي وربما الأمني ومع تزايد الضغوط الأمريكية والإقليمية، بات رد الحركة محطّ أنظار الأطراف جميعها، باعتباره حجر الزاوية في تحديد مسار الأحداث المقبلة.
رد حماس جاء بصيغة موافقة جزئية، مع إرسال ملاحظات أولية. هذه الصيغة حملت رسالة سياسية واضحة: “المهم عدم قول لا”. وبهذا الرد، نجحت الحركة في تفكيك الموقف المعادي وسحب أوراق الضغط من أيدي خصومها، وعلى رأسهم إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي كانت تراهن على رفض صريح يمكن استغلاله لتبرير خطوات متطرفة.
حماس، التي سبق وأبدت مرونة في ملف الأسرى من خلال طرح “الكل مقابل الكل”، أعادت التأكيد على استعدادها للتجاوب مع مقترحات جديدة، وهو ما يعكس إدراكها لثقل الملف الإنساني والسياسي معًا.
لكن الموقف الأكثر حسماً جاء على لسان القيادي في الحركة أسامة حمدان، الذي شدّد في تصريح متلفز عبر على أن:
دخول إدارة أجنبية أو قوات أجنبية إلى غزة مسألة غير مقبولة تماماً.
لا تقبل الحركة أي صيغة لإدارة أجنبية للقطاع.
البديل هو تشكيل هيئة وطنية فلسطينية مستقلة تتولى هذه المهمة.
وهناك اتفاق وطني فلسطيني قائم على أن تكون إدارة غزة بيد هيئة فلسطينية تمثل الشعب ولا تخضع لوصاية خارجية.
بهذا الرد، وضعت حماس حدّاً لمحاولات الدفع باتجاه تدويل إدارة غزة أو فرض وصاية خارجية، مؤكدة أن الحل يجب أن يكون فلسطينيًا – فلسطينيًا.
ما بين المرونة في الملفات الإنسانية والتشدد في القضايا السيادية، نجحت حماس في تقديم رد تكتيكي وواقعي، يوازن بين الانفتاح على الحلول والتأكيد على الثوابت الوطنية .
في ملف الأسرى، حافظت على خطاب براغماتي يعطي إشارات إيجابية.
وفي ملف إدارة غزة، رسمت خطاً أحمر واضحاً: لا مكان للإدارة الأجنبية، بل إدارة وطنية فلسطينية خالصة.
رد حماس لم يكن موجهاً فقط إلى واشنطن أو العواصم الإقليمية، بل إلى الرأي العام الفلسطيني أيضاً. فهو يقدّم الحركة كطرف مسؤول لا يعرقل الحلول الإنسانية والسياسية، لكنه في الوقت ذاته متمسّك بالقرار الوطني المستقل.
بهذا الرد المدروس، استطاعت حماس أن تخلط الأوراق وتربك خصومها، وأن تضع نفسها في موقع الطرف الوطني الحريص على التفاهمات دون أن يتنازل عن الثوابت. فالمرونة لم تأتِ على حساب السيادة، والتشدّد لم يكن على حساب القضايا الإنسانية. وبذلك، تؤكد الحركة أن إدارة الصراع لا تقل أهمية عن خوضه، وأن قرارها يظل محكوماً بالبوصلة الوطنية الفلسطينية
أولاً وأخيراً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى