تحقيقات

العميد الركن . د. بهاء حسن حلال لماذا السويداء؟ قراءة في العمق الجيوسياسي للهجمات الإسرائيلية وتحوّلات الجنوب السوري

كتب العميد الركن . د. بهاء حسن حلال

منذ أسابيع، تتصاعد التوترات في محافظة السويداء جنوب سوريا، وسط احتجاجات درزية، اشتباكات دموية، وتدخّلات مباشرة وغير مباشرة من أطراف دولية وإقليمية. ما يبدو للوهلة الأولى كأزمة داخلية بين السلطة المركزية ومجتمع محلي له خصوصياته التاريخية، يتكشّف في العمق عن كونه جزءًا من مشروع جيوسياسي أعقد بكثير: *”ممر داوود” الإسرائيلي*، وما يرتبط به من إعادة تشكيل جغرافيا النفوذ والعبور في الشرق الأوسط الجديد.

مشروع “ممر داوود”: خريطة إسرائيلية لنفوذ إقليمي

“ممر داوود” ليس مشروعًا وهميًا، بل رؤية استراتيجية تتبناها تل أبيب منذ سنوات، وترتكز على ربط إسرائيل بالخليج وآسيا الوسطى عبر ممر بري يمتد من الجولان السوري المحتل، مرورًا بـدرعا والسويداء، وصولًا إلى منطقة التنف حيث القاعدة الأمريكية، فشرقًا نحو مناطق السيطرة الكردية، ليعبر إلى شمال العراق (أربيل) ويلامس حدود تركيا.
يهدف هذا الممر إلى جعل إسرائيل مركزًا رئيسيًا في حركة التجارة الإقليمية، بديلًا عن قناة السويس، وممرًا منافسًا للمشروع الصيني “طريق الحرير”، مما يمنح تل أبيب بعدًا استراتيجيًا عابرًا للحدود ويحولها إلى حلقة وصل بين الخليج وأوروبا.

لماذا السويداء ؟

السويداء ليست مجرد مدينة درزية ذات طابع خاص، بل تقع في قلب هذا الممر الجيوسياسي، وتشكل عقدة ديموغرافية وعسكرية مهمة بين الجنوب السوري والشرق، خاصة باتجاه التنف والمناطق الكردية.

ولأن إسرائيل تعتبر وجود مجموعات اسلامية سنية على مقربة من الممر تهديدًا محتملًا، فإن السيطرة الناعمة أو الحادة على السويداء باتت هدفًا استراتيجيًا. وهذا ما يُفسر محاولة اختراق النسيج الدرزي عبر تحريض محلي، تغذية الاحتجاجات، أو حتى اللعب على وتر “الحماية الإسرائيلية” كما جاء في تصريحات مسؤولين إسرائيليين مؤخّرًا.

اجتماعات أذربيجان: الشرع وإسرائيل

ضمن هذا السياق، تبرز أهمية اللقاءات التي حصلت بين أحمد الشرع الرئيس الانتقالي لسوريا ومسؤولين إسرائيليين في أذربيجان.

نظرا لأن هذه الاجتماعات تحمل دلالات خطيرة:

– عدم اتفاق من جراء الاملاءات الاسرائيلية
– بحث في إعادة تشكيل الجنوب السوري بما يخدم ممر داوود الإسرائيلي.
– فتح قنوات تواصل أمني وسياسي بين الطرفين ضمن مشروع إعادة هيكلة سوريا سياسيًا وجغرافيًا.

والاهمية ان التصعيد والهجمات على سوريا وعلى مبنى هيئة الاركان اتى بعد الخيبة الاسرائيلية من نتائج الاجتماعات في باكو

إسرائيل ودورها الجديد في السويداء

مؤخرًا، صرّح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس عن التزامهم بمنع “الإضرار بالدروز في سوريا”، ووجّها تعليمات مباشرة للجيش الإسرائيلي بضرب منشآت ومخازن أسلحة في جنوب سوريا

ما يجري في السويداء لا ينفصل عن الاستراتيجية…

هذه التصريحات ( رغم أنها مغلفة بـ”الحرص الإنساني”)تعكس رغبة إسرائيل في تقديم نفسها كـ”ضامن لأمن الأقليات”، وتُهيّئ الأرضية لتدخل أوسع في الجنوب السوري باسم الحماية، بينما الهدف الحقيقي هو السيطرة على العقدة الجغرافية والديموغرافية الأخيرة في ممر داوود.

واشنطن و”الشرق الأوسط الجديد”

ما يجري في السويداء لا ينفصل عن الاستراتيجية الأميركية الأشمل التي كانت تُعرف منذ عهد جورج بوش الابن بـ”الشرق الأوسط الجديد”، والتي تقوم على:

– تفكيك الدول الكبيرة والمركزية (مثل العراق وسوريا) إلى كيانات طائفية أو عرقية.

ومن الاهداف الاساسية :

– إعادة رسم خرائط النفوذ والتحكم بممرات الطاقة والتجارة.
– تحويل إسرائيل من دولة محاصرة إلى محور عبور رئيسي اقتصاديًا وأمنيًا.

ومع تراجع النفوذ الروسي بسبب الحرب الأوكرانية، وتقييد الدور الصيني ، تبدو السويداء ساحة اختبار جديدة لتنفيذ هذا المشروع ضمن سياق التطبيع الإقليمي والتحالفات الجديدة.

المجتمع الدرزي في السويداء لا يزال ينظر بعين القلق إلى محاولات الاستغلال الخارجي.

موقف الدروز: بين الحماية والقلق

المجتمع الدرزي في السويداء ( رغم اعتراضه التاريخي على تسلط النظام ) لا يزال ينظر بعين القلق إلى محاولات الاستغلال الخارجي.
فالإسرائيليون الذين يرفعون شعار حماية الدروز، هم أنفسهم من هجّروا دروز الجولان وقصفوا الجنوب مرارًا. ولذلك، فإن قسمًا كبيرًا من المجتمع المحلي يرفض تدخل إسرائيل، ويطالب بحلّ وطني شامل لا يُحوّله إلى ورقة في صراع إقليمي.

اخيرا وليس آخرا،

أن مشروع “ممر داوود” يدخل مرحلة التنفيذ العنيف، بدءًا من تفكيك السويداء، وصولًا إلى إنشاء منطقة منزوعة السلاح تمهّد لمرحلة تقسيم أو رسم خرائط جديدة.

أما النظام السوري الحالي، فهو في حالة تفكك سياسي وعسكري، ومع انتقال أحمد الشرع إلى موقع والتفاوض مع أطراف إقليمية للضغط على اطراف داخلية للقبول بمشاريع دولية مغلفة بغلاف محلي ،و قد نشهد مرحلة انتقال السلطة في سوريا من السلطة الحالية الى سلطة مدعومة أميركيًا وإسرائيليًا على غرار ما حصل في العراق بعد 2003.

خلاصة

السويداء اليوم ليست مجرد ساحة احتجاج، بل مفتاح استراتيجي في مشروع إقليمي أكبر يُعيد رسم الشرق الأوسط.

وما يجري من ضربات إسرائيلية، لقاءات سرية، وتوترات داخلية، هو
الحاكم والمتحكم الرئيسي في سياق الجيواستراتيجيا المقبلة للمنطقة
واخيرا
هل نحن أمام تسوية أم انفجار أكبر؟
كل المؤشرات الحالية لا تدل على تسوية قريبة.

الباحث الاستراتيجي والسياسي
العميد الركن .د بهاء حسن حلال

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى