حروب متزامنة.. مخطط استراتيجي لإعادة رسم موازين القوى

بقلم: وفاء بهاني
ما يجري اليوم في غزة واليمن ليس مجرد تزامن للأحداث أو تحركات عسكرية منفصلة، بل هو جزء من مشروع استراتيجي شامل، تحركه المصالح المشتركة بين الولايات المتحدة والكيان الصهيوني. فهذه الحروب ليست وليدة اللحظة، بل تأتي في إطار إعادة هندسة المشهد الإقليمي، بما يضمن تكريس الهيمنة الصهيونية وإضعاف أي قوة مقاومة يمكن أن تعرقل هذا المسار.
العدوان على اليمن، الذي تُسوّقه واشنطن تحت ذريعة “حماية الملاحة الدولية”، يخفي وراءه أهدافًا أعمق بكثير. فاليمن، الذي استعاد موقعه كلاعب إقليمي في ظل تصاعد العدوان على غزة، بات يشكل مصدر إرباك استراتيجي لحكومة الكيان الصهيوني. الضربات التي وجهها اليمن لقلب المنظومة الاقتصادية الصهيونية، من تعطيل حركة الملاحة إلى إجبار المستوطنين على الاحتماء بالملاجئ، دفعت الكيان إلى البحث عن وسيلة لاحتواء هذا التهديد عبر استنزاف اليمن في معركة طويلة الأمد، تمنعه من التأثير في معادلة الصراع مع المقاومة الفلسطينية.
أما الادعاءات المتكررة بشأن “تهديد الحوثيين للملاحة في البحر الأحمر”، فهي ليست سوى غطاء لتدخل عسكري يهدف إلى تكريس السيطرة الأمريكية والصهيونية على الممرات البحرية الاستراتيجية. فالمسألة لا تتعلق بضمان أمن التجارة الدولية بقدر ما تهدف إلى تحييد اليمن كقوة إقليمية قادرة على إسناد المقاومة الفلسطينية، ومنع أي دعم خارجي يمكن أن يخفف من وطأة الحصار المفروض على غزة.
ما يجري في اليمن ليس منفصلًا عن التصعيد المتواصل على جبهات أخرى، فالكيان الصهيوني لم يوقف عدوانه على سوريا، حيث يتعامل النظام هناك اليوم كحارس للحدود وفق التفاهمات المفروضة عليه، ويعمل بشكل ممنهج على تحييد أي تهديد محتمل قد ينطلق من أراضيه باتجاه الكيان. في لبنان، لا يزال القصف والاختراقات العسكرية جزءًا من استراتيجية صهيونية تهدف إلى فرض أمر واقع جديد، يمنح الاحتلال حرية تنفيذ عملياته دون رادع. وفي غزة، يتضح أن أحد الأهداف الرئيسة للحرب الجارية هو فرض نموذج أمني شبيه بجنوب لبنان، حيث يسعى الاحتلال إلى إقامة “منطقة عازلة”، تتيح له تنفيذ عملياته العدوانية دون أي تكلفة استراتيجية تُذكر.
على المستوى العربي، لم تكن المواقف الرسمية سوى انعكاس لحالة من العجز أو التواطؤ غير المسبوق، إذ لم تنجح الأنظمة في تشكيل أي جبهة ضغط فاعلة ضد الاحتلال. في المقابل، تواصل الشعوب العربية والإسلامية التحرك رغم القمع والتضييق، فيما شهدت العواصم الغربية تصاعدًا في الحراك الشعبي المناهض للعدوان، ما يعكس إدراكًا عالميًا متزايدًا لحجم الجرائم التي تُرتكب بحق الشعب الفلسطيني.
لكن، على الرغم من شراسة العدوان واتساع رقعة المواجهة، يبقى الدرس المستخلص من التجارب السابقة واضحًا: التفريط في المقاومة لم يكن يومًا خيارًا ناجحًا، والمراهنة على وعود القوى الكبرى لم تجلب سوى الكوارث. فمنذ خروج المقاومة من بيروت عام 1982، وما تبعه من مجازر في صبرا وشاتيلا، بات جليًا أن أي تراجع أمام مشاريع الكيان الصهيوني لا يؤدي إلا إلى مزيد من التهجير والدمار. وحدها المقاومة، بكل أشكالها، تظل السد المنيع أمام المخططات التي تُفرض بالقوة، والبقاء على الأرض والدفاع عنها هو السبيل الوحيد لفرض معادلة الردع وإفشال مشروع إعادة تشكيل المنطقة وفق الرؤية الصهيونية-الأمريكية.