“الحسين”… مقامٌ تمشي إليه الأرواح قبل الأقدام

خالد عياد
في كربلاء، لا تُقاس المسافة بالكيلومترات، بل بوجع العاشقين.
هناك، عند مرقد الحسين بن علي عليه السلام، لا يدخل الزائر كباقي الزائرين، بل يخلع عن كتفيه ثقل الدنيا، ويتّشح بالدهشة، وكأنّه وطئ أرضًا لا تنتمي لهذا الكوكب.
في كربلاء، لا تسأل عن طائفتك، ولا تُفتّش عن مذهبك، فالمكان يُطفئ كلّ التسميات. هناك لا سنّي ولا شيعي، لا مسلم ولا مسيحي… هناك فقط الحسين.
الحسين الذي ذُبح ظمآنًا ليحيا الإنسان مرفوع الرأس، الحسين الذي صرخ في وجه الطغيان “هيهات منا الذلة”، وترك لنا صدىً يُدوّي في ضمير كلّ من لم يرضَ بالذلّ، ولم يُساوم على الكرامة.

عند ضريحه، يبكي الرجل الصلب كأنّه طفل، ويهتف الحاج المُرهق كأنّه عريس، وتلمع دمعة الغريب كأنّها عُمرٌ كامل من الحنين. إنه ليس مجرد مقام، بل بوّابة لامتحان الضمير… من زاره بقلبه، عاد منه بضميرٍ جديد.
كلّ حجر هناك يروي حكاية بطولة..
كلّ زخرفة تحمل نَفَس شهيد..
وكلّ دمعة تسقط على البلاط، تُكتب في سجلّ الرافضين للظلم.
كربلاء ليست مدينة… كربلاء موقف. والحسين… ليس رجلًا فقط، بل فكرة، ثورة، نبض كونيّ لا يموت.
ومن وقف بين تلك الجدران، لا يخرج كما دخل… بل يخرج وفيه شيء من الحسين، شيء من النور، شيء من البكاء النقيّ الذي لا يعرف طائفية، ولا يطلب تفسيرًا.




