العميد الركن بهاء حلال: ” فجوة الثقة تعرقل الانطلاقة الأولى لمفاوضات طهران وواشنطن”

كتب العميد الركن الدكتور بهاء حلال
لا يمكن قراءة تعثر الجولة الأولى من المفاوضات الأميركية–الإيرانية بوصفه حادثاً تكتيكياً عابراً، بل يجب فهمه ضمن إطار أعمق تحكمه نظريتان مركزيتان في العلاقات الدولية:
الواقعية السياسية واستراتيجيات التفاوض تحت الضغط. فهذه الجولة لم تفشل، بل كشفت عن حدود القوة، وحدود التنازل، وحدود الزمن لدى الطرفين.
أولاً: الواقعية السياسية – عندما تتقدم المصالح على كل شيء
وفق منطق الواقعية السياسية، لا تتفاوض الدول من أجل الحل، بل من أجل تحسين شروط القوة. ومن هذا المنطلق، يظهر أن الخلاف بين واشنطن وطهران ليس خلافاً على “النووي” بقدر ما هو صراع على إعادة توزيع النفوذ الإقليمي.
في هذا السياق، يصبح مضيق هرمز أكثر من مجرد ممر مائي؛ إنه أداة سيادية لفرض التوازن. إيران تنظر إليه كـ”ورقة ردع غير متماثل” تعوّض بها تفوق خصومها العسكري، بينما تعتبره الولايات المتحدة جزءاً من النظام الدولي الذي لا يمكن إخضاعه لإرادة قوة إقليمية. هنا يتجسد صراع كلاسيكي بين قوة مهيمنة تسعى لحماية النظام، وقوة صاعدة تسعى لتعديله.
أما الملف اللبناني، فيندرج ضمن ما تسميه الواقعية “عمق النفوذ”. فإيران لا تفاوض على لبنان كقضية منفصلة، بل كجزء من شبكة ردع تمتد عبر الإقليم. لذلك، فإن رفض واشنطن إدراج هذا الملف يعكس محاولة لتفكيك هذا الترابط، أي ضرب “وحدة الساحات” التي تشكل أحد أعمدة الاستراتيجية الإيرانية.
ثانياً: التفاوض كامتداد للحرب بوسائل أخرى
إذا انتقلنا إلى نظريات التفاوض، يمكن القول إن ما حدث هو تطبيق عملي لمفهوم “التفاوض القسري” (Coercive Bargaining)، حيث يستخدم كل طرف أدوات غير تفاوضية لتحسين موقعه على الطاولة.
الإشارات الميدانية التي رافقت المفاوضات—سواء عبر التحركات البحرية أو التهديدات المتبادلة—لا يمكن فصلها عن ما يسميه توماس شيلينغ “دبلوماسية العنف”، حيث لا يكون الهدف استخدام القوة فعلياً، بل جعلها قابلة للتصديق.
في هذا الإطار:
– الولايات المتحدة لوّحت بالحصار البحري، وهو شكل من أشكال التصعيد دون الحرب، يهدف إلى رفع كلفة الرفض الإيراني.
– إيران، بالمقابل، استخدمت “التهديد الفوري” في مضيق هرمز، لتؤكد أن أي تصعيد يمكن أن يتحول إلى اشتباك مباشر خلال دقائق.
هذه المعادلة تعكس حالة ردع متبادل غير مستقر، حيث لا يريد أي طرف الحرب، لكن كليهما مستعد للمخاطرة المحسوبة.
ثالثاً: عامل الزمن يمثل الصراع بين الاستعجال والصبر
من أهم عناصر التحليل هنا هو “الزمن التفاوضي”.
الولايات المتحدة، خصوصاً في ظل قيادة تميل إلى الحسم، تعمل وفق منطق تسريع النتائج لتحقيق مكاسب سياسية داخلية وخارجية.
في المقابل، تعتمد إيران على ما يمكن تسميته “استراتيجية الاستنزاف الزمني”، حيث يصبح تأجيل الحل بحد ذاته مكسباً.
هذا التباين يعكس نموذجاً كلاسيكياً في التفاوض:
– طرف يرى الزمن كتكلفة يجب تقليصها.
– طرف يرى الزمن كأداة يجب استثمارها.
وهنا يكمن أحد الأسباب العميقة لتعثر الجولة الأولى، إذ لم يكن الخلاف على “ماذا نحل”، بل على “متى وكيف نحل”.
رابعاً: تعدد المستويات – التفاوض على طاولات متوازية
لا تجري هذه المفاوضات على مستوى واحد. بل يمكن فهمها عبر نموذج “اللعبة ذات المستويين” (Two-Level Game):
1. المستوى الدولي: صراع مباشر بين واشنطن وطهران على النفوذ.
2. المستوى الإقليمي: دول الخليج، إسرائيل، وتركيا، وكلها أطراف متأثرة تحاول التأثير في النتائج.
3. المستوى الداخلي:
– في الولايات المتحدة: حسابات انتخابية وصراع حزبي.
– في إيران: توازن بين المؤسسة الدينية والعسكرية، مع صعود واضح لدور الحرس الثوري.
هذا التعقيد يعني أن أي تنازل خارجي يجب أن يكون مقبولاً داخلياً، وهو ما يضيق هامش المناورة ويجعل الوصول إلى اتفاق أكثر صعوبة.
خامساً: ما بعد التعثر هي إدارة الحافة بدل الحسم
السيناريو الأكثر ترجيحاً ليس الحرب الشاملة ولا الاتفاق السريع، بل الاستمرار في ما يعرف بـ”إدارة الحافة” (Brinkmanship).
أي إبقاء التوتر عند مستوى مرتفع دون تجاوزه إلى مواجهة مفتوحة.
في هذا السياق:
– الحصار البحري المحتمل ليس هدفاً بحد ذاته، بل أداة تفاوضية.
– التهديد الإيراني بإغلاق المضيق ليس قراراً فورياً، بل ورقة ردع.
كلا الطرفين يتحرك ضمن مساحة رمادية بين الحرب والسلام، حيث تكون الرسائل أهم من الأفعال.
سادساً: لماذا التعثر منطقي؟
من منظور استراتيجي، كان من الطبيعي أن تتعثر الجولة الأولى، لثلاثة أسباب رئيسية:
1. اتساع جدول الأعمال: من النووي إلى المضائق إلى النفوذ الإقليمي.
2. انعدام الثقة البنيوي: نتيجة تاريخ طويل من الصراع.
3. اختلاف تعريف “النجاح”:
– واشنطن تريد تقليص نفوذ إيران.
– طهران تريد الاعتراف به.
الخلاصة: التفاوض كعملية إعادة تشكيل إقليمي
ما يجري اليوم ليس مجرد محاولة لحل أزمة، بل هو عملية إعادة تشكيل للنظام الإقليمي في الشرق الأوسط. لذلك، فإن تعثر الجولة الأولى لا يمثل فشلاً، بل هو جزء من عملية أطول تهدف إلى اختبار الخطوط الحمراء، وقياس توازن القوى، وإعادة تعريف قواعد اللعبة.
في ضوء ذلك، يمكن القول إن الجولة الثانية
(إن عُقدت) لن تكون جولة تسوية، بل جولة “إعادة توزيع أوراق”، حيث يسعى كل طرف إلى تحسين موقعه قبل الوصول إلى لحظة التوافق، إن حصلت.
وهنا تحديداً تكمن المفارقة:
كلما بدا التفاوض متعثراً، كان في الواقع يتقدم
لكن تحت السطح، ووفق منطق القوة لا منطق التفاهم.



