لبنان بين التصعيد الإسرائيلي والتفاوض الأميركي–الإيراني: قراءة استراتيجية في تداخل الميدان والدبلوماسية

العميد الركن د.بهاء خلال
مقدمة
تشهد الساحة اللبنانية في المرحلة الراهنة تداخلاً متسارعاً بين التصعيد العسكري الإسرائيلي، والحراك الدبلوماسي المرتبط بالمفاوضات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، إضافة إلى النقاش الداخلي اللبناني حول طبيعة المسار التفاوضي مع إسرائيل وحدوده.
ويكشف هذا التزامن بين:
– التصعيد الميداني
– والتحركات السياسية
– والتفاوض الإقليمي
أن لبنان لم يعد مجرد ساحة حدودية، بل أصبح جزءاً من معادلة إعادة تشكيل ميزان الردع والنفوذ في الشرق الأوسط.
أولاً: دلالات التصعيد الإسرائيلي بالتزامن مع تقدم المفاوضات الأميركية–الإيرانية
من منظور استراتيجي، يصعب فصل التصعيد الإسرائيلي عن المسار التفاوضي بين واشنطن وطهران، خاصة أن إسرائيل تنظر تقليدياً إلى أي تقارب أميركي–إيراني باعتباره:
– تهديداً لحرية حركتها العسكرية
– واحتمالاً لإعادة إنتاج تفاهمات إقليمية لا تراعي أولوياتها الأمنية بالكامل
وفق نظرية توماس شيلينغ حول:
“الدبلوماسية القسرية”
يمكن فهم التصعيد الإسرائيلي باعتباره:
محاولة لرفع الكلفة الأمنية على إيران وحلفائها
ورسالة إلى واشنطن بأن أي اتفاق لا يقيّد نفوذ طهران الإقليمي سيبقى هشاً ميدانياً
ومن هنا، يصبح لبنان:
– ساحة ضغط غير مباشر
– وأداة لتحسين شروط التفاوض الإقليمي
ثانياً: استهداف الضاحية الجنوبية ورسائل التصعيد
– يشكل استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت بعد مرحلة من التهدئة تطوراً ذا دلالة رمزية واستراتيجية عالية.
– فالضاحية لا تمثل مجرد منطقة جغرافية، بل:
– مركز ثقل سياسي وأمني لـ حزب الله
– ورمزاً معنوياً ضمن بيئة الحزب
الرسائل الإسرائيلية المحتملة:
1. توسيع نطاق الردع
أي أن المواجهة لم تعد محصورة بالحدود الجنوبية.
2. إعادة رسم قواعد الاشتباك
عبر تكريس معادلة تسمح بضرب العمق اللبناني عند الحاجة.
3. الضغط النفسي والسياسي
لإظهار القدرة على الوصول إلى مناطق تعتبر حساسة أمنياً ورمزياً.
ويمكن ربط ذلك بمفهوم:
“الاقتراب غير المباشر”
عند باسيل ليدل هارت، حيث يصبح التأثير النفسي جزءاً أساسياً من العملية العسكرية.
ثالثاً: إصابات جيش الاحتلال والتطورات الميدانية
الإصابات في صفوف الجيش الإسرائيلي جنوب لبنان تؤكد أن الجبهة ما تزال:
– قابلة للاشتعال
– وخاضعة لمنطق الاستنزاف المتبادل
– ورغم التفوق العسكري الإسرائيلي، فإن طبيعة الجنوب اللبناني والجغرافيا العملياتية تمنح القوى غير النظامية قدرة على:
– الاستنزاف التكتيكي
– وإطالة أمد الاشتباك
وهذا يتقاطع مع نظريات:
“الحرب اللامتناظرة”
التي تقوم على:
تعويض فارق القوة
عبر المرونة والبيئة والجغرافيا
رابعاً: الموقف اللبناني الرسمي – لا تطبيع
يعكس الموقف الرسمي اللبناني الرافض للتطبيع أو الحديث عن لقاءات سياسية مباشرة مع بنيامين نتنياهو عدة اعتبارات:
1. التركيبة الداخلية اللبنانية
2. الحساسية السياسية والشعبية تجاه إسرائيل
3. الخشية من ربط التفاوض الأمني بمسار سياسي شامل
لذلك، يسعى لبنان الرسمي إلى:
الفصل بين التفاوض التقني أو الأمني
وبين أي مسار تطبيعي سياسي
وهو ما يعكس محاولة الحفاظ على:
“التوازن الداخلي الهش”
خامساً: تصريحات رئيس الأركان الإسرائيلي وعدم وجود قيود
تصريحات قادة الجيش الإسرائيلي حول عدم وجود قيود على استخدام القوة تحمل أبعاداً متعددة:
عسكرياً:
تعزيز الردع
رفع الجهوزية النفسية لدى الداخل الإسرائيلي
سياسياً:
الضغط على الحكومة اللبنانية
وإرسال رسائل إلى إيران وواشنطن
لكن عملياً، تبقى حرية استخدام القوة مرتبطة بعوامل:
الموقف الأميركي
الكلفة الإقليمية
احتمال توسع الحرب
أي أن الخطاب التصعيدي لا يعني بالضرورة وجود قرار بحرب شاملة.
سادساً: الجدل داخل إسرائيل حول الاتفاق الأميركي–الإيراني
تخشى قطاعات داخل إسرائيل أن يؤدي أي اتفاق أميركي–إيراني إلى:
تخفيف الضغوط عن إيران
وتعزيز قدرات حلفائها الإقليميين
ومن هنا، يظهر الجدل حول:
مدى حرية الجيش الإسرائيلي في مواصلة التصعيد في لبنان
وحدود الدعم الأميركي لأي عملية واسعة
هذا الجدل يعكس تبايناً بين:
الرؤية الأمنية الإسرائيلية
والحسابات الاستراتيجية الأميركية الأشمل
سابعاً: المسار التفاوضي اللبناني–الإسرائيلي
المفاوضات الجارية أو المرتقبة بين لبنان وإسرائيل تبدو حتى الآن محصورة في:
ملفات أمنية وتقنية
وضبط الحدود
ومنع الانزلاق إلى حرب مفتوحة
أما استبعاد لقاء مباشر بين: جوزاف عون وبنيامين نتنياهو فيعكس:
حساسية المشهد اللبناني
ورفض الانتقال إلى مستوى سياسي تطبيعي
ثامناً: الحراك السياسي اللبناني الداخلي
يكشف الجدل الداخلي اللبناني حول المفاوضات المباشرة عن انقسام عميق بين:
من يرى ضرورة التهدئة وتخفيف التصعيد
ومن يخشى أن يتحول التفاوض إلى مدخل لتغييرات سياسية واستراتيجية أوسع
كما يرتبط هذا الانقسام بسؤال أكبر:
هل يستطيع لبنان التفاوض كدولة موحدة؟
أم أن تعدد مراكز القوة داخله يجعل أي تفاوض انعكاساً لتوازنات إقليمية أكثر من كونه قراراً سيادياً مستقلاً؟
خاتمة
تكشف التطورات الأخيرة أن الساحة اللبنانية أصبحت نقطة تقاطع بين:
التصعيد الإسرائيلي
المفاوضات الأميركية–الإيرانية
وإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية
وفي حين تستخدم إسرائيل القوة العسكرية لإعادة فرض الردع ومنع تعاظم قدرات حزب الله، تسعى واشنطن إلى إدارة التصعيد ضمن حدود تمنع الانفجار الإقليمي، مع إبقاء باب التفاوض مفتوحاً مع طهران.
أما لبنان، فيجد نفسه مرة جديدة:
ساحة ضغط
ومسرح رسائل متبادلة
بين مشاريع إقليمية ودولية تتجاوز قدرته الذاتية على التحكم بمسار الأحداث
وهو ما يجعل استقراره مرتبطاً، إلى حد بعيد، ليس فقط بقراراته الداخلية، بل أيضاً بمآلات التفاوض والصراع على مستوى الإقليم بأكمله.



