كتب د. محمود الشربيني: خميس العدوي… كما عرفته عن قرب

كتب الدكتور: محمود الشربيني
لم يكن رحيل خميس بن راشد العدوي حدثا عابرا في المشهد الثقافي العماني والعربي، بل بدا وكأن جزءا من الذاكرة الثقافية لعمان قد انطفأ فجأة، وكأن صوتا كان يضيء العتمة بالمعرفة والحوار والوعي قد غاب تاركا فراغا يصعب ملؤه. فقد كان العدوي واحدا من أولئك الذين لا يعيشون لأنفسهم فقط، بل يهبون أعمارهم لفكرة أوسع: الإنسان، وحريته، وحقه في المعرفة، وانتمائه الحضاري العميق لهذه الأمة العربية.
رحل خميس العدوي…
فانطفأ صوت كان يشبه اتساع الأرض العربية ونقاء الحالمين بوطن أكبر من الحدود وأصدق من الشعارات.
لم يكن خميس بالنسبة لي مجرد زميل في المؤتمر القومي العربي أو المنتديات أو الأعمال التي تشاركنا فيها في بيروت ومسقط وغيرها، ولا رفيقا عابرا في صولات وجولات الحياة، بل كان أخا وصديق درب طويل، وصاحب روح نادرة يصعب أن تتكرر. عرفته عن قرب كما لا يعرفه كثيرون؛ في السفر، وفي النقاش، وفي لحظات التعب والانفعال والفرح، وفي تلك الرحلات الطويلة التي كنا نجوب خلالها طرقات عمان وجبالها ووديانها، نبحث عن الحكايات القديمة، ونصغي لذاكرة المكان، ونتأمل الإنسان العماني وتاريخه وصلته العميقة بالأرض والبحر والحضارة.
كان الراحل الأستاذ خميس العدوي كاتبا وباحثا ومفكرا عمانيا بارزا، عرف بإسهاماته الكبيرة في الفكر والثقافة والدراسات الحضارية داخل سلطنة عمان وخارجها. وقد شغل عدة مناصب ثقافية وفكرية مهمة، من أبرزها رئاسة المنتدى الأدبي، ورئاسة الجمعية العمانية للكتاب والأدباء في فترات سابقة، حيث لعب دورا مؤثرا في تنشيط الحركة الثقافية العمانية، وفتح مساحات للحوار والتنوير والتفاعل الفكري بين المثقفين والأدباء والباحثين.
كان خميس العدوي ينتمي إلى جيل آمن بأن الثقافة ليست ترفا، بل معركة وعي، وأن الكتابة ليست مجرد كلمات، بل مسؤولية أخلاقية وتاريخية. لذلك انشغل طوال حياته ببناء مشروع تنويري هادئ وعميق، يقوم على مواجهة الانغلاق والتعصب، والانتصار للعقل والمعرفة والتسامح. وقد شكل حضوره الثقافي والفكري أحد أبرز ملامح المشهد الثقافي العماني الحديث، سواء من خلال أبحاثه ومقالاته ومحاضراته، أو عبر دوره المؤثر في المؤسسات الثقافية العمانية.

عرف الراحل خميس العدوي باهتمامه بالفكر الإسلامي، والعلاقة بين الدين والسياسة، والتاريخ الحضاري العماني، وكان صاحب رؤية فكرية عميقة تحاول قراءة التحولات الاجتماعية والسياسية بعقل نقدي منفتح. وله حضور واسع في الندوات والمؤتمرات الثقافية داخل عمان وخارجها، حيث كان يحمل فكره الهادئ ولغته الرصينة إلى مختلف المنابر الفكرية العربية.
ومن أبرز مؤلفاته كتاب “السياسة بالدين في سبيل فهم منطق الأحداث”، الذي تناول فيه إشكالية توظيف الدين في المجال السياسي وتحليل بنية الخطاب الديني وتأثيره في الواقع العربي. كما أصدر كتاب “الإيمان بين الغيب والخرافة”، وكتاب “الوحدة الإسلامية”، وكتاب “الوقف العلمي في بهلا ماضيه وحاضره”، إضافة إلى العديد من الأبحاث والدراسات الفكرية والعلمية التي انشغلت بأسئلة الهوية والمعرفة والتاريخ والدين والمجتمع.

لم يكن العدوي أسير خطاب أيديولوجي جامد، بل كان مثقفا حرا يرى أن الدين ينبغي أن يكون مساحة أخلاقية وإنسانية لا أداة للهيمنة والإقصاء. ولهذا دخل في سجالات فكرية عميقة حول علاقة الدين بالسياسة والخطاب الديني والتحولات الاجتماعية، وناقش بجرأة أزمة العقل العربي، وخطورة التوظيف الأصولي للدين، والحاجة إلى تجديد الفكر الديني والثقافي.
كان يؤمن أن الثقافة الحقيقية هي التي تفتح النوافذ لا التي تبني الجدران، ولذلك ظل طوال حياته منحازا إلى قيم التنوير والتسامح وقبول الاختلاف. لم يكن عدائيا تجاه أحد، لكنه كان واضحا في رفضه للفكر الأصولي الرجعي الذي يسعى إلى إعادة المجتمعات إلى عصور الظلام والانغلاق. وكان يرى أن أخطر ما يواجه المجتمعات العربية ليس الفقر المادي فقط، بل فقر الوعي، وتحويل الدين إلى أداة خوف وكراهية بدل أن يكون طاقة روحية وأخلاقية تدفع الإنسان نحو الجمال والمعرفة.
كما عرف بدوره الثقافي الكبير في ولاية بهلا، واهتمامه بالتاريخ العماني والمكتبات والهوية الحضارية، وكان شديد الانشغال بحفظ الذاكرة الثقافية العمانية وربط الأجيال الجديدة بجذورها الحضارية. وقد انعكس ذلك في محاضراته ومقالاته ومشاركاته الإعلامية والفكرية المتعددة، التي كان يسعى من خلالها إلى بناء وعي ثقافي متوازن يجمع بين الأصالة والانفتاح.

ولأن خميس العدوي كان عربيا حتى النخاع، فقد ظل مؤمنا بعروبته إيمان العاشق لا إيمان الشعارات الجوفاء. كان يرى في العروبة فضاء حضاريا وإنسانيا وثقافيا، لا مجرد انتماء سياسي ضيق. وكان منحازا للقضية الفلسطينية بوصفها قضية حرية وكرامة إنسانية قبل أي شيء آخر. لم يتعامل مع فلسطين باعتبارها ملفا سياسيا عابرا، بل باعتبارها جرحا عربيا مفتوحا واختبارا أخلاقيا للضمير العربي كله.
وله إسهامات فكرية خارجية واسعة، حيث شارك في ندوات ومؤتمرات قومية وإسلامية في عدد من البلدان العربية، من بغداد إلى بيروت والقاهرة، وكان حاضرا في العديد من الملتقيات العربية والدولية التي دافعت عن العدالة لفلسطين وعن قضايا الأمة العربية، كما ترك وراءه العديد من الأبحاث العلمية والفكرية التي ستظل شاهدة على حضوره العميق في المشهد الثقافي العربي.
وكان يؤمن دائما بالأثر الحضاري للإنسان؛ بأن الإنسان لا يقاس بما يملك، بل بما يتركه خلفه من معرفة وجمال وأثر أخلاقي. لهذا انشغل بالكتاب والمكتبات والقراءة، وببناء الجسور بين التاريخ والحاضر، وبين الثقافة والناس. وكان يرى أن مهمة المثقف الحقيقية ليست مهادنة السلطة الاجتماعية أو الدينية، بل إيقاظ الأسئلة الكبرى داخل المجتمع، حتى وإن دفع ثمن ذلك تعبا أو عزلة أو سوء فهم.
أما على المستوى الشخصي، فقد كان خميس بالنسبة لي أكثر من صديق. كان جزءا من تفاصيل حياة كاملة، ومن ذاكرة يصعب علي اليوم استعادتها دون ألم. عرفته وفيا بصورة نادرة، نقي القلب، بسيطا رغم عمقه الفكري، وقريبا من الناس رغم مكانته الثقافية. كانت بيني وبينه وبين عائلته علاقة تتجاوز حدود الصداقة التقليدية؛ علاقة أخوة حقيقية صنعتها السنوات والرحلات والمواقف والنقاشات الطويلة.

كم من مرة اختلفنا في الرأي ثم انتهينا إلى مزيد من المحبة. وكم من ليلة طويلة قضيناها نتحدث عن التاريخ والفكر والسياسة والعالم العربي وأحلامه المكسورة. كان يؤمن بالحوار حتى مع المختلفين معه، ويرى أن العقل لا ينمو إلا بالأسئلة. وفي كل رحلة معه كنت أكتشف فيه إنسانا أكثر عمقا وإنسانية واتساعا.
كان يشبه أولئك النادرين الذين يمرون في الحياة بهدوء، لكنهم يتركون وراءهم أثرا لا يزول.
واليوم، وأنا أستعيد تفاصيل الرحلات والنقاشات والضحكات التي لن تعود، أشعر أن شيئا جميلا من هذا الزمن قد غادر بصمت. أشعر أن خسارته ليست خسارة شخصية فقط، بل خسارة لعمان وللثقافة العربية ولجيل كامل كان يحاول أن يبني جسرا بين الأصالة والتنوير، بين الهوية والانفتاح، وبين الإيمان والعقل.
رحم الله خميس العدوي الذي أوجعني غيابه في اللحظة الصعبة.
رحم الله ذلك الإنسان الذي عاش وفيا لفكره، ولأصدقائه، ولعروبته، ولرسالته الثقافية.
وسيظل اسمه، بما تركه من أثر ومحبة وفكر، حاضرا في ذاكرة كل من عرفه واقترب من روحه النبيلة.



