تحقيقات

مضيق هرمز بين حرب السيطرة الأميركية وحرب السيادة الإيرانية: قراءة استراتيجية في منطق الصراع وآفاقه

كتب العميد الركن: د.بهاء حلال

يشكل مضيق هرمز اليوم أحد أهم مراكز الثقل الجيوسياسي في العالم، ليس فقط لأنه الممر الذي تعبر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز العالمية، وإنما لأنه أصبح نقطة تقاطع بين مشروعين استراتيجيين متعارضين: مشروع أميركي يسعى إلى تكريس السيطرة على طرق التجارة والطاقة العالمية، ومشروع إيراني يعتبر أن حماية المضيق جزء لا يتجزأ من سيادته الوطنية ومن أمنه القومي.

ومن هذا المنطلق، فإن ما يجري حول مضيق هرمز لا يمكن اختزاله في مواجهة عسكرية عابرة أو في أزمة إقليمية مؤقتة، بل يمثل صراعاً بين مفهومين مختلفين للقوة. فالولايات المتحدة تنظر إلى المضيق باعتباره ممراً دولياً ينبغي أن يبقى تحت مظلة التفوق البحري الأميركي، بينما تنظر إليه إيران باعتباره جزءاً من بيئتها الأمنية، وأحد أهم عناصر الردع الاستراتيجي لديها.

أولاً: من حرب السيطرة إلى حرب السيادة

في الفكر الجيوبوليتيكي، ترتبط السيطرة على الممرات البحرية بالهيمنة الدولية. وقد بنى المفكر الأميركي ألفرد ثاير ماهان نظريته الشهيرة حول “قوة البحر” باعتبار أن الدولة التي تسيطر على البحار تسيطر على التجارة العالمية، ومن ثم تمتلك مفاتيح النفوذ السياسي والعسكري.

في المقابل، تستند إيران إلى مفهوم مختلف، يقوم على أن أمن الممرات المحيطة بها لا يمكن أن ينفصل عن سيادتها الوطنية، وأن أي وجود عسكري أجنبي كثيف بالقرب من سواحلها يمثل تهديداً مباشراً لأمنها القومي.

ولهذا يمكن توصيف الصراع الحالي بأنه:

– حرب سيطرة بالنسبة للولايات المتحدة.
– حرب سيادة بالنسبة لإيران.

وهذا الاختلاف في تعريف طبيعة الصراع يفسر سبب تعقيد أي تسوية سياسية، لأن الطرفين لا يختلفان فقط على الوسائل، بل على تعريف المشكلة نفسها.

ثانياً: الصراع على تعديل قواعد التفاهم

بعيداً عن التصعيد العسكري، يبدو أن جانباً أساسياً من المواجهة يتعلق بمحاولة إعادة صياغة قواعد التفاهم بين واشنطن وطهران.

فثمة من يرى أن الإدارة الأميركية تسعى إلى استخدام الضغوط العسكرية لإعادة التفاوض من موقع قوة، بما يسمح بتعديل التفاهمات السابقة وتحسين شروطها الاستراتيجية.

في المقابل، تسعى إيران إلى تثبيت أي تفاهمات تمنحها مكاسب سياسية وأمنية، وترفض تحويل الضغط العسكري إلى أداة لإعادة رسم التوازنات.

وتاريخياً، فإن الرئيس دونالد ترامب سبق أن وصف أي تفاهم يحقق مصالح الولايات المتحدة بأنه “اتفاق عظيم”، لكن تغير البيئة السياسية داخل الإدارة الأميركية، وصعود التيار المحافظ المتشدد، دفع باتجاه تبني خيارات أكثر ميلاً لاستخدام القوة العسكرية.

ويُنظر إلى هذا التحول باعتباره تعبيراً عن نفوذ المدرسة الواقعية الهجومية داخل المؤسسة الأميركية، والتي ترى أن الردع لا يتحقق إلا بإظهار القدرة على استخدام القوة بصورة مستمرة.

ثالثاً: معضلة ترامب… الحرب التي يصعب إنهاؤها

تثير العديد من التحليلات الغربية سؤالاً أساسياً:

هل تدخل الولايات المتحدة حرباً طويلة مع إيران؟

وهل تتحول المواجهة إلى حرب استنزاف مفتوحة؟

تكمن المشكلة الرئيسية هنا فيما يسميه المفكر العسكري البروسي كارل فون كلاوزفيتز “نقطة النهاية السياسية للحرب”، أي أن أي عمل عسكري ينبغي أن تكون له غاية سياسية واضحة وخطة خروج محددة.

أما إذا غابت الرؤية السياسية، فإن الحرب تتحول إلى غاية بحد ذاتها، وتصبح عملية الاستنزاف مفتوحة.

وفي هذا السياق، تشير تحليلات في الصحافة الأميركية إلى أن أي تصعيد واسع مع إيران يحمل خطر الانزلاق إلى حرب طويلة يصعب إنهاؤها، نظراً لتعقيد البيئة الإقليمية وتشابك المصالح الدولية.

رابعاً: المذهب القتالي الإيراني… استراتيجية الاستنزاف المتعدد

تعتمد العقيدة العسكرية الإيرانية على مفهوم “الحرب غير المتكافئة”، وهو مفهوم يقوم على تعويض الفجوة في القدرات التقليدية عبر استخدام الجغرافيا، والزمن، والاقتصاد، والشبكات الإقليمية كعناصر قوة.

وترتكز هذه العقيدة على عدة أعمدة رئيسية:

أولاً: الاستعداد لحرب طويلة الأمد، انطلاقاً من قناعة بأن عامل الزمن يعمل ضد القوى الكبرى أكثر مما يعمل ضد القوى المحلية.

ثانياً: توسيع مسرح العمليات بحيث لا تبقى الحرب محصورة في جبهة واحدة، بل تتحول إلى مواجهة إقليمية متعددة الساحات.

ثالثاً: الاستفادة من الامتداد الجغرافي الإيراني، حيث تشكل المساحة الكبيرة والجبال والعمق السكاني عناصر تعقّد أي حملة عسكرية تقليدية.

رابعاً: استخدام مضيق هرمز كورقة ردع استراتيجية، لما يمثله من أهمية حيوية لسوق الطاقة العالمي.

خامساً: ربط مضيق هرمز بمضيق باب المندب، بما يخلق معادلة جيوسياسية تتحكم عملياً بشريان التجارة بين آسيا وأوروبا وأفريقيا.

سادساً: جعل أمن الطاقة العالمية جزءاً من معادلة الردع، بحيث تصبح كلفة الحرب على الاقتصاد الدولي مرتفعة إلى درجة تدفع القوى الكبرى والدول المستوردة للطاقة إلى ممارسة ضغوط سياسية لوقف العمليات العسكرية.

وهذه المقاربة تنسجم مع نظرية “الردع بالحرمان” (Deterrence by Denial)، حيث لا يكون الهدف تحقيق انتصار عسكري مباشر، وإنما جعل تحقيق أهداف الخصم بالغ الكلفة أو غير ممكن.

خامساً: أهمية هرمز وباب المندب في الجيوبوليتيك العالمي

يشكل مضيق هرمز وباب المندب معاً أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

فالسيطرة أو التأثير على هذين المضيقين يعني امتلاك قدرة كبيرة على التأثير في حركة النفط والغاز والتجارة الدولية.

وهنا تبرز نظرية “نقاط الاختناق البحرية” (Maritime Chokepoints)، التي تؤكد أن السيطرة على عدد محدود من الممرات البحرية تمنح الدول نفوذاً يتجاوز كثيراً حجمها العسكري أو الاقتصادي.

ولهذا فإن أي اضطراب في هرمز أو باب المندب ينعكس فوراً على أسعار الطاقة، وسلاسل الإمداد، وأسواق المال العالمية.

سادساً: بندر عباس… الهدف العسكري والاستراتيجي

إذا صحّ أن استهداف منطقة بندر عباس يدخل ضمن التخطيط العسكري الأميركي، فإن أهميته تتجاوز مجرد ضرب منشآت أو قواعد عسكرية.

فبندر عباس تمثل مركزاً لوجستياً وبحرياً رئيسياً، وتعد عقدة حيوية لربط القوات الإيرانية المنتشرة على الساحل والجزر.

ومن المنظور العسكري، فإن تعطيل هذا المركز قد يهدف إلى:

– تقليص قدرة إيران على إعادة الإمداد البحري.
– إضعاف القيادة والسيطرة على القوات الساحلية.
– الحد من قدرة البحرية الإيرانية على المناورة.
– تأمين بيئة عمليات بحرية أكثر ملاءمة في حال التفكير بعمليات إنزال أو بفرض سيطرة بحرية مؤقتة على مناطق محددة.

إلا أن نجاح مثل هذه الأهداف يبقى مرتبطاً بقدرة الولايات المتحدة على المحافظة على خطوط الإمداد الخاصة بها، وبمنع إيران من توسيع نطاق الرد، وهو أمر ليس مضموناً في ظل طبيعة البيئة العملياتية في الخليج.

سابعاً: الحرب الاقتصادية كسلاح موازٍ

لم تعد الحرب تدور فقط حول الصواريخ والطائرات، بل أصبحت الأسواق المالية والطاقة وسلاسل التوريد جزءاً من ميدان القتال.

وتقترب هذه المقاربة من مفهوم “الجيو-اقتصاد” الذي يرى أن الاقتصاد أصبح أداة من أدوات الصراع الاستراتيجي، وأن تعطيل التجارة العالمية قد يحقق نتائج سياسية تعادل استخدام القوة العسكرية.

ولهذا تدرك إيران أن تهديد تدفقات الطاقة لا يستهدف الولايات المتحدة وحدها، بل يوجه رسالة إلى أوروبا والصين والهند واليابان وسائر الدول الصناعية بأن استمرار الحرب ستكون له كلفة اقتصادية عالمية.

خاتمة

إن المواجهة حول مضيق هرمز تتجاوز كونها نزاعاً إقليمياً على ممر بحري، فهي تعكس صراعاً بين رؤيتين للنظام الدولي: الأولى تقوم على حرية الحركة تحت مظلة القوة الأميركية، والثانية تقوم على ربط الأمن الإقليمي بالسيادة الوطنية ورفض فرض الوقائع بالقوة.

ومن هنا، فإن أي حرب واسعة لن تكون مجرد مواجهة عسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، بل ستكون اختباراً لنظريات الردع، والجيوبوليتيك، والحرب غير المتكافئة، والجيو-اقتصاد، ولقدرة النظام الدولي على احتواء الصراعات في أهم عقدة استراتيجية للطاقة والتجارة العالمية.

وبين منطق السيطرة ومنطق السيادة، يبقى مضيق هرمز أكثر من ممر بحري؛ إنه أحد أهم مفاتيح توازن القوى في القرن الحادي والعشرين، حيث تتقاطع المصالح العسكرية والاقتصادية والسياسية في نقطة جغرافية صغيرة، لكنها تحمل تأثيراً عالمياً بالغ الاتساع.إذا رغبت، أستطيع أيضاً تحويل هذا إلى مقال بصياغة أقرب إلى أسلوب مراكز الدراسات الاستراتيجية أو إلى مقال رأي صحفي رصين، مع توسيع الإطار النظري ليشمل أفكار ماهان، وماكندر، وسبايكمان، وكلاوزفيتز، وسون تزو، ونظريات الردع البحري والحرب الهجينة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى