تغيير الواقع الميداني في الجنوب مؤشر خطير

العميد الركن الدكتور بهاء حسن حلال
يقوم العدو الاسرائيلي بإجراءات ميدانية ولوجستية ملفتة منذ أكثر من شهر في القرى والمناطق داخل نا أسماه الخط الاصفر، هذه الإجراءات تندرج ضمن إطار الهندسة العسكرية والسيطرة الميدانية الزجرية ، ولا تندرج باعتبارها أعمالًا هندسية مدنية عادية. فما تقوم به القوات الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية المحتلة من تعبيد طرق جديدة، وشق مسارات إضافية، ووضع عوائق مزودة ببوابات، يحمل عدة دلالات استراتيجية وعسكرية.
أولًا: تثبيت واقع احتلال طويل الأمد
إن استثمار الموارد في تعبيد الطرق وشقها عادة لا يُقدم عليه جيش يتوقع انسحابًا قريبًا، بل يدل على التخطيط لإدامة الوجود العسكري لفترة قد تطول، بحيث تصبح الحركة اللوجستية للقوات أكثر سهولة في جميع الفصول.
ثانيًا: تعزيز حرية المناورة العسكرية
تسمح الطرق الجديدة بانتقال القوات المدرعة والآليات الثقيلة بسرعة بين المواقع المختلفة، وتؤمن خطوط إمداد بديلة إذا تعرض أحد المحاور للاستهداف أو التعطيل.
ثالثًا: إنشاء شبكة دفاعية متكاملة
أما البوابات والعوائق فهي ليست مجرد حواجز، بل تشكل جزءًا من نظام دفاعي يهدف إلى:
-تنظيم الدخول والخروج من المناطق المحتلة.
-إبطاء أي قوة مهاجمة ومنح القوات الإسرائيلية وقتًا للاستجابة.
-تحويل بعض الطرق إلى ممرات يمكن التحكم بها بالكامل وإغلاقها خلال ثوانٍ.
رابعًا: التحضير لإدارة “منطقة أمنية”
هذه الإجراءات تقترن بإقامة سواتر ترابية ونقاط مراقبة ومنشآت ثابتة وقواعد جديدة ، لذا فهي تعكس توجهًا نحو إدارة منطقة عازلة أو أمنية، حتى لو لم يُعلن عنها رسميًا.
خامسًا: ورقة ضغط في المفاوضات
من الناحية السياسية، تستخدم إسرائيل هذه المنشآت كورقة تفاوض، إذ كلما ازداد الاستثمار العسكري في الأرض المحتلة، ارتفعت كلفة الانسحاب سياسيًا وعسكريًا، ما يمنحها هامشًا أكبر للمساومة على ترتيبات أمنية أو ضمانات مستقبلية.
سادسًا: فرض وقائع عملياتية جديدة
تهدف هذه الأعمال أيضًا إلى تغيير البيئة العملياتية في الجنوب اللبناني، بحيث تصبح أي محاولة لاستعادة هذه المناطق أو التحرك داخلها أكثر تعقيدًا بسبب شبكة الطرق والحواجز ونقاط السيطرة.
التقدير الاستراتيجي
إذا استمرت هذه الأعمال بوتيرة متصاعدة، بالتزامن مع تعثر المفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية وعدم تحديد جدول زمني واضح للانسحاب، فإنها قد تشير إلى أن إسرائيل تسعى إلى تحويل الاحتلال من حالة مؤقتة إلى تموضع عسكري مستقر قابل للاستمرار، مع الاحتفاظ بإمكانية الانسحاب لاحقًا إذا حصلت على ترتيبات أمنية تلبي أهدافها.
لكن ينبغي أيضًا التنبه إلى أن هذه المؤشرات، رغم أهميتها، لا تكفي وحدها للجزم بوجود قرار نهائي بالبقاء طويل الأمد؛ فقد تُستخدم كذلك كإجراءات احترازية خلال فترة تفاوضية غير محسومة. لذلك فإن تفسيرها الأدق يعتمد على ربطها بعوامل أخرى، مثل حجم القوات المنتشرة، وطبيعة التحصينات، والتصريحات الرسمية، ومسار المفاوضات الجارية، وأي مؤشرات على تحديد أو غياب جدول زمني للانسحاب.
بيروت في 5/8/2026
العميد الركن الدكتور بهاء حسن حلال


