تحقيقات

نتنياهو و “إسرائيل الكبرى” وتداعياتها الإقليمية والدولية

كتب العميد الركن الدكتور بهاء حلال

في مقابلة حديثة مع قناة i 24 news، صرّح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأنه يشعر بأنه في “مهمة تاريخية وروحية” لتحقيق رؤية “إسرائيل الكبرى”، التي تشمل الأراضي الفلسطينية المحتلة وأجزاء من الأردن ولبنان وسوريا ومصر هذا التصريح يُعدّ تصعيدًا خطيرا في الخطاب السياسي الإسرائيلي، ويثير تساؤلات حول النوايا الحقيقية للحكومة الإسرائيلية تجاه المنطقة.

وقد أثارت تصريحاته هذه حول “رؤية إسرائيل الكبرى” عاصفة من ردود الفعل السياسية والإعلامية، داخليًا وخارجيًا وعربيا ، فإعلانه أنه “في مهمة تاريخية وروحية” لإعادة رسم حدود إسرائيل لتشمل اجزاء من دول عربية ، يشير إلى تحول جذري نحو اعلان النيات المبيتة في الخطاب السياسي الإسرائيلي، مع ما يحمله من مخاطر وتداعيات. وفي هذا السياق،

الخلفية الأيديولوجية:

رؤية “إسرائيل الكبرى” ليست جديدة، بل تعود جذورها إلى الفكر الصهيوني التوسعي الاستعماري، خاصة تيار “الصهيونية التصحيحية” الذي أسسه زئيف جابوتنسكي، والذي يُعتبر نتنياهو من أبرز ورثته السياسيين. بعد حرب 1967، استخدم هذا المصطلح للإشارة إلى إسرائيل والمناطق التي احتلتها حديثًا، مثل القدس الشرقية والضفة الغربية وقطاع غزة وسيناء والجولان

التوقيت والدوافع:

تأتي تصريحات نتنياهو في ظل تصاعد العمليات العسكرية في غزة، حيث أعلن أن الهدف هو “تحرير غزة من حماس، وليس احتلالها”. وهذا مصطلح جديد في الاستراتيجية الجديدة، يرى مراقبون أن هذه التصريحات قد تُستخدم لتبرير توسيع العمليات العسكرية وتعزيز السيطرة الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية
تصريحات نتنياهو ازمة بحد ذاتها وهي لا توتر العلاقات مع الدول المعنية، خاصة الأردن ومصر، فحسب، وهما تربطهما بإسرائيل اتفاقيات سلام. كما قد تُفسر هذه التصريحات على أنها تهديد مباشر لسيادة هذه الدول، مما قد يدفعها إلى إعادة تقييم علاقاتها مع إسرائيل.

الموقف الدولي:

المجتمع الدولي، بما في ذلك الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، قد يرى في هذه التصريحات انتهاكًا للقانون الدولي وقرارات مجلس الأمن التي تؤكد على حل الدولتين وحق الفلسطينيين في إقامة دولتهم المستقلة. كما قد تزيد هذه التصريحات من عزلة إسرائيل على الساحة الدولية.

التداعيات الإقليمية:

السيناريوهات المحتملة بعد تصريحات نتنياهو عن “إسرائيل الكبرى”
في هذا السياق، يمكن استشراف ثلاث سيناريوهات محتملة:

التصعيد العسكري:

تصريحات نتنياهو ليست مجرد رؤية أيديولوجية، بل تأتي في سياق عملي يشهد تصاعدًا في العمليات العسكرية في غزة والضفة الغربية. هذه اللهجة التوسعية قد تُترجم إلى خطوات ميدانية لتوسيع السيطرة الإسرائيلية، ما يرفع احتمال اندلاع مواجهات شاملة، سواء مع الفلسطينيين في الداخل أو مع قوى إقليمية، لا سيما في جنوب لبنان أو الجولان السوري. كما أن استمرار القصف في غزة ورفض أي حل سياسي مع حماس أو السلطة الفلسطينية يعزز فرضية لجوء إسرائيل إلى فرض وقائع ميدانية جديدة بالقوة اي القيام باحتلال غزة وتغيير الوضع الجغرافي والديمغرافي.

ضغوط دولية متزايدة:

إسرائيل، رغم الدعم الأميركي، قد تجد نفسها أمام موجة رفض دولي واوروبي تحديدا والموجة تتصاعد بشكل متنامي. رؤية “إسرائيل الكبرى” تتناقض جذريًا مع قرارات الأمم المتحدة ومبدأ حل الدولتين. إذا تمادت تل أبيب في تبني هذه السياسة، فقد تواجه عقوبات دبلوماسية أو اقتصادية، خصوصًا من دول أوروبا أو منظمات حقوق الإنسان. كما قد تتزايد الدعوات إلى تفعيل أدوات قانونية مثل محكمة الجنايات الدولية أو مراجعة الاتفاقيات الموقعة مع إسرائيل، خاصة إذا ارتبط المشروع التوسعي بعمليات تهجير قسري للفلسطينيين.

الصراع في إسرائيل ببن المستوى العسكري والمستوى السياسي

نتنياهو يواجه أصلاً أزمة داخلية حادة. فهناك انقسام واضح داخل المجتمع الإسرائيلي بين التيار الديني–اليميني، المؤيد للتوسع، والتيارات الليبرالية والعلمانية، التي ترى في هذا النهج خطرًا وجوديًا على اسرائيل كدولة يهودية–ديمقراطية. تبني مشروع “إسرائيل الكبرى” قد يعمّق هذا الانقسام، خصوصًا في حال ظهرت نتائج كارثية ميدانيًا أو اقتصاديًا. كما أن المؤسسة العسكرية نفسها، ممثلة بالقيادة العليا للجيش، قد تعارض تنفيذ مشاريع توسعية غير واقعية أو تتعارض مع قدراتها على الأرض.

اخبرا تصريحات نتنياهو ليست مجرد خطاب رمزي، بل هي خارطة طريق خطيرة تحمل في طياتها احتمالات التصعيد والتفكك. استمرار هذا التوجه قد يدفع بالمنطقة إلى مرحلة جديدة من عدم الاستقرار، ما يستوجب يقظة دولية ومواقف عربية حازمة لمواجهة أي محاولات لتكريس الاحتلال أو فرض وقائع جديدة على حساب شعوب المنطقة.
الباحث العسكري والاستراتيجي :

العميد الركن الدكتور بهاء حسن حلال

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى