التراث ينتصر على الحرب.. “ليلة المتاحف”رسالة من الوزير غسان سلامة لحماية قلاع آثار جنوب لبنان

كتبت: فرح جهمي
“معاً نحمي تراثنا”، كلمات كافية لتصل رسالة وزير الثقافة غسان سلامة التي يكررها في الشهرين الأخيرين، وكان آخرها خلال افتتاح “ليلة المتاحف” مساء الخميس، في لبنان. وتأتي هذه الفعالية الثقافية في مرحلة تواجه فيها المواقع الأثرية والتراثية اللبنانية تحديات غير مسبوقة، لا سيما تلك الموجودة في الجنوب والذي تعرضت فيه عشرات المواقع التاريخية والمباني التراثية لأضرار متفاوتة نتيجة الحرب الإسرائيلية والاعتداءات المستمرة رغم توقيع إتفاقية الهدنة الشهر الماضي، ما يجعل حماية الإرث الثقافي قضية وطنية وإنسانية في آن واحد.
ولأن “تراثنا هويتنا” انطلقت هذه المبادرة الثقافية الجمعاء التي تمكن من خلالها الوزير سلامة إحياء وزارة الثقافة ومنحها الطابع الجاذب للشباب واهتماماتهم، واكتسبت مبادرته الأخيرة أهمية خاصة ليس فقط لأنها تجذب المواطنين من كل الأعمار والمناطق لرؤية المتاحف باعتبارها حارسة للذاكرة الوطنية والتاريخ، بل لأنها تسلط الضوء على ما يحصل في الجنوب اللبناني ولضرورة توثيق وحماية الآثار التي تعكس آلاف السنين من الحضارات التي تعاقبت على لبنان، من الفينيقيين والرومان والبيزنطيين وصولاً إلى الحقبات الإسلامية والعثمانية. وقد عمدت المديرية العامة للآثار بالتعاون مع وزارة الثقافة على نشر والتحدث عن الأضرار المباشرة وغير المباشرة التي تعرضت لها الآثار والقلاع نتيجة الغارات وأعمال القصف، والإشارة إلى أن بعض هذه الأماكن الأثرية موجودة اليوم في مواقع تخضع لسيطرة العدو الإسرائيلي.

وفي الجنوب، تضررت معالم أثرية وتراثية عدة، كما تعرضت محيطات مواقع تاريخية وقلاع ومبانٍ قديمة لأضرار مباشرة وغير مباشرة، الأمر الذي دفع وزارة الثقافة والمديرية العامة للآثار إلى طرق كل الأبواب الممكنة لرفع الصوت عالياً وتوثيق تلك الأضرار بالتعاون مع منظمات دولية، وفي مقدمتها منظمة اليونسكو، سعياً إلى حماية هذا الإرث وإطلاق مشاريع للترميم والحفاظ عليه.
ويسعى الوزير سلامة بجهده ووطنيته إلى وضع قلاع جبل عامل الخمسة قلعة شمع، قلعة الشقيف أرنون، قلعة تبنين_طورون، قلعة دير كيفا_مارون، وقلعة دوبية_شقرا على لائحة الإنسانية جمعاء، من خلال تصويت لجنة التراث العالمي في اجتماعها القادم نهاية الشهر الجاري في كوريا الجنوبية. وهذه القلاع، تضمّ قلاعاً تم تدميرها كقلعة شمع أو تم إصابتها كقلعة تبنين أو تم احتلالها كما هي حال قلعة الشقيف حالياً.

ويُعد إدراج أي موقع لبناني على قائمة التراث العالمي التابعة لليونسكو إنجازاً دولياً بالغ الأهمية، لأن هذه القائمة تضم مواقع تُعتبر ذات “قيمة عالمية استثنائية”، أي أنها ليست ملكاً للدولة التي تقع فيها فقط، بل هي تراث يخص الإنسانية جمعاء. ويتم اتخاذ قرار الإدراج من قبل لجنة التراث العالمي في اليونسكو، المؤلفة من 21 دولة عضو تنتخبها الجمعية العامة للدول الأطراف في اتفاقية التراث العالمي، ويصدر القرار بعد تصويت أعضاء اللجنة بناءً على تقييمات علمية وفنية متخصصة.
ويمنح إدراج القلاع اللبنانية الخمسة على هذه القائمة اعترافاً دولياً بقيمتها التاريخية، ويؤمن لها حماية أكبر، كما يتيح للبنان الاستفادة من الخبرات الدولية ومن صندوق التراث العالمي في حالات الترميم والطوارئ، إضافة إلى تعزيز السياحة الثقافية ورفع مستوى الاهتمام العالمي بهذه المواقع.


وإضافة إلى هذا المجهود الكبير المبذول، تمكنت وزارة الثقافة من الحصول على الحماية المعززة لنحو 73 موقعاً في كل لبنان، معظمها في الجنوب. إضافة إلى وضع آثار مدينة صور في قائمة الآثار التي هي ملك الإنسانية جمعاء، على اعتبار أنها تتعرض للعدوان وهي في دائرة الخطر. وكذلك ضمّت الوزارة فصلاً كاملاً عن ما يحصل للتراث والمواقع الأثرية في الجنوب إلى الملف الذي قدمه الوزير طارق متري هذا الشهر إلى مجلس حقوق الإنسان في جنيف.
ويضم لبنان ستة مواقع مدرجة على قائمة التراث العالمي هي: بعلبك، عنجر، جبيل، صور، ووادي قاديشا مع غابة أرز الرب، إضافة إلى معرض رشيد كرامي الدولي في طرابلس المدرج أيضاً على قائمة التراث العالمي المعرض للخطر، وهو ما يعكس المكانة الحضارية للبنان رغم التحديات الأمنية والاقتصادية التي يواجهها.
من أجواء فعالية “ليلة المتاحف” في المتحف الوطني، التي أُقيمت في 16 تموز




ومن هنا، فإن “ليلة المتاحف” لم تكن مجرد فتح أبواب المتاحف أمام الزوار، إنما تحمل رسالة وطنية جامعة تؤكد على أن حماية التراث مسؤولية وطنية ودولية، وأن الحفاظ على الآثار، خصوصاً في المناطق المتضررة من الاعتداءات في الجنوب، هو أساس للحفاظ على هوية لبنان وذاكرته، وعلى جزء من التراث الإنساني الذي يستحق أن يبقى للأجيال المقبلة.

جانب من المقتنيات الأثرية المعروضة في المتحف الوطني، الذي استقبل نحو 10 آلاف زائر ضمن فعالية “ليلة المتاحف”، فيما لبّى نحو 40 ألف لبناني دعوة وزارة الثقافة لزيارة ما يقارب 30 متحفًا من عكار إلى صور، بحسب ما أعلنه وزير الثقافة الدكتور غسان سلامة.






وفي هذا السياق، كتب سلامة عبر حسابه على منصة “إكس”:
“ليلة المتاحف” استفتاء على عطش شعبنا للتعرّف إلى تاريخه
وقال: «لبّى أربعون ألف لبناني أمس دعوتنا لزيارة نحو ثلاثين متحفًا من عكار إلى صور، زار منهم عشرة آلاف المتحف الوطني، وتمكّن كثيرون من الولوج إلى متحفين أو ثلاثة خلال الساعات الست المتاحة في “ليلة المتاحف”. إنه استفتاء على عطش شعبنا للتعرّف إلى تاريخه، وعلى اعتزازه بإرث لبنان الحضاري العظيم».



