أحداث السويداء والهجمات الإسرائيلية على سوريا في سياق مشروع الشرق الأوسط الجديد

كتب العميد الركن بهاء حسن حلال:
تشهد منطقة السويداء في جنوب سوريا تصعيداً خطيراً يعكس واقعاً معقداً بين التوترات الداخلية في سوريا والمخططات الإقليمية والدولية، وعلى رأسها مشروع “الشرق الأوسط الجديد” الذي بشرت به الولايات المتحدة منذ مطلع الألفية، وتمت إعادة تسويقه بصيغ مختلفة بعد “الربيع العربي”. هذه الأحداث الأخيرة، لا سيما الهجمات الإسرائيلية المتكررة، والاضطرابات الدامية في السويداء، قد تكون جزءاً من تنفيذ خريطة جيوسياسية تهدف إلى إعادة رسم حدود الدول وإعادة تشكيل الكيانات السياسية والاجتماعية
هل يسيطر أحمد الشرع على الأوضاع الداخلية في سوريا؟
منذ انهيار النظام السوري السابق، وتولي أحمد الشرع دوراً قيادياً في المرحلة الانتقالية، بات السؤال الرئيسي هو: هل يتمكن الشرع من فرض سيطرته على الداخل السوري، وسط تعقيدات سياسية وأمنية واقتصادية متفاقمة؟
الشرع، الذي يمثل خياراً مدعوماً من أطراف دولية وإقليمية، واجه تحديات كبرى منذ اللحظة الأولى، أبرزها تفكك المؤسسات
– الانقسام المجتمعي
– والوجود العسكري الخارجي في مناطق متفرقة من البلاد.
ورغم الخطابات الإصلاحية التي أطلقها، لا تزال قدرته على السيطرة محدودة، خصوصاً في الجنوب السوري (السويداء ودرعا) وفي الشمال الشرقي حيث القوى الكردية، كما أن الفوضى الأمنية المتصاعدة تعكس هشاشة السلطة المركزية.
محاولات الشرع لضبط الوضع من خلال التوازن بين القوى الداخلية لم تثمر بعد عن نتائج ملموسة، كما أن النفوذ التركي والاميركي والاسرائيلي ، والتدخلات الإسرائيلية والتركية، تضعف من قدرة الدولة على فرض إرادتها. وبالتالي، لا يمكن القول إن الشرع يسيطر فعلياً على الداخل، بل هو يدير مرحلة انتقالية معقدة محكومة بتوازنات دقيقة، قد تنقلب في أي لحظة.
مشروع الشرق الأوسط الجديد: تفكيك لا استقرار
السويداء: بين التهميش والانفجار
منذ بداية الحرب السورية، بقيت السويداء ذات الغالبية الدرزية بعيدة نسبياً عن النزاع المسلح، لكنها ظلت مهمشة اقتصادياً وسياسياً. التوترات بين الدولة والعشائر المحلية، وتصاعد الشعور بالتمييز والتهميش، خلقا بيئة قابلة للانفجار. المطالب في السويداء بدأت بالمطالبات بالخدمات وتحسين الأوضاع المعيشية، لكنها تطورت إلى دعوات فدرالية أو انفصال رمزي عن السلطة المركزية، وهو ما يعكس اتجاهاً نحو تفكيك سوريا من الداخل.
الهجمات الإسرائيلية: ضربات استراتيجية أم رسائل سياسية؟
في موازاة هذا، صعدت إسرائيل من هجماتها داخل سوريا، مستهدفة مواقع عسكرية سورية عدة وثكنات واسلحة للجيش السوري الجديد ، لكن اللافت أنها طالت مؤخراً محيط القصر الرئاسي في دمشق ومقرات عُليا كهيئة الأركان، ما يؤشر إلى تطور جديد و استثنائي في الأهداف. الرسائل الإسرائيلية لم تعد أمنية وعسكرية فحسب بل اصبحت رسائل سياسية، وهي تهدف إلى -ضرب التوازن داخل النظام الانتقالي في سوريا.
-فتح المجال أمام تغيير سياسي معين يضمن أمن حدودها ويضعف النفوذ التركي كون الظاهر ان اجتماعات اذربيجان لم تعطي النتيجة المطلوبة
مشروع الشرق الأوسط الجديد: تفكيك لا استقرار
تندرج هذه التطورات في إطار مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي يقوم على تفتيت الدول القائمة إلى كيانات طائفية أو إثنية أو مناطقية متناحرة. ما يحصل في السويداء يشبه نموذجاً مصغراً لتقسيم سوريا إلى “مناطق نفوذ”، بحيث يُمنح كل مكون إدارة ذاتية تحت ذرائع الحماية الدولية أو الأمن المحلي. التدخل الإسرائيلي، بذريعة حماية الدروز، قد يفتح الباب أمام فرض منطقة منزوعة السلاح تُدار من الخارج، وتُعزل عن دمشق.
الأهداف الإسرائيلية الحقيقية
تسعى إسرائيل من هذا التدخل إلى عدة أهداف: تقليص وجود إيران على حدودها، الضغط على النظام السوري لتقديم تنازلات.
– تفكيك الجيش السوري.
– الدفع باتجاه نظام جديد موالٍ للغرب مليا .
– إعادة تعريف جنوب سوريا كمجال أمني خاص لاسرائيل وربما منطقة عازلة جديدة بغطاء “إنساني” أو “طائفي”.
خلاصة
ما يجري في السويداء ليس حدثاً محلياً معزولاً، بل هو فصل من فصول مشروع إعادة تشكيل المنطقة.
– الهجمات الإسرائيلية
– الاضطرابات الداخلية
– التدخلات الخارجية
كلها تتقاطع في مشهد يهدف إلى كسر البنية الموحدة لسوريا، وإعادة تركيبها بما يخدم مصالح القوى الكبرى. في ظل غياب توازن دولي واضح، وغياب فاعلية عربية موحدة، تبدو هذه المخططات أقرب إلى التحقق إن لم تُواجه برؤية استراتيجية عربية وسورية جامعة.
الكاتب الباحث الاستراتيجي والسياسي
العميد الركن .د. بهاء حسن حلال



