حَرْبُ إِيرانَ واميركا واسرائيل وَالشَّرْقِ الأَوْسَط؟ قِراءةٌ في السِّيناريو الأقرب لِنِهايةِ الصِّراع

العميد الركن د.بهاء حلال
باحث استراتيجي ومحلل عسكري
لَم تَعُدِ الحَربُ الدائرةُ في الشرق الاوسط بينَ إيرانَ واميركا واسرائيل، مجرّدَ مواجهةٍ عسكريةٍ محدودة، بل تحوَّلت إلى صِراعٍ إقليميٍّ واسعٍ تتشابكُ فيه المصالحُ الإستراتيجية والاقتصادية والأمنية. ومع اتّساعِ رقعةِ المواجهة، بات السؤالُ الذي يَطرحُه كثيرون: كيف يمكن أن تنتهي هذه الحرب؟ وهل يمكن حسمُها عسكرياً او انها ستحول الشرق الاوسط الى الشر الاوسط؟
القراءةُ الواقعيّة للتاريخِ السياسيّ والعسكريّ في الشرق الأوسط تُظهر أنّ الحروبَ الكبرى في المنطقة نادراً ما تنتهي بانتصارٍ ساحقٍ لطرفٍ واحد. فتعقيدُ التحالفات، وتشابكُ المصالح الدولية، وحساسيّةُ مصادر الطاقة العالمية، كلّها عوامل تجعل الحسمَ العسكريّ الكامل أمراً بالغ الصعوبة. ولهذا فإنّ النهايةَ الأكثر ترجيحاً لهذه الحرب تمرّ غالباً بعدّة مراحل متتابعة.
في هذه المرحلةِ دخلت الحربُ ما يُسمّى مرحلة الاستنزاف. وفيها ترتفع الكلفةُ العسكريةُ والاقتصادية على جميع الأطراف الدولية والاقليمية. فأميركا واسرائيل المنخرطةُ في الصراع بدأُت باستنزافِ قدراتها المالية والعسكرية، كما تأثرت الأسواقُ العالمية للطاقة والتجارة البحرية. ومع مرور الوقت تبيّن أن استمرار الحرب يهدّد استقرارَ الاقتصاد العالمي نفسه، خصوصاً بعد اقفال مضيق هرمز وباب المندب منا جعل طرقُ النفط والممراتُ البحرية معرضة للاقفال و للخطر الكبير . وهنا بدأت الارهاصات الدولية التي ستؤدي عبرالضغط الدولي الآخذ بالتصاعد السعي لإيجاد مخرجٍ سياسيٍّ للصراع.
بعد هذه المرحلة برأيي ستظهر مرحلة التهدئة القسرية، وهي غالباً نتيجة ضغوطٍ تمارسها القوى الكبرى في العالم. فأميركا اليوم عالقة على اعلى الشجرةوباقي الدول الاوروبية بدأ صوتها يعلو نتيجة ارتفاع اسعار النفط وروسيا والصين بدأت تتحرك دبلوماسيا لاجل انهاء هذه الحرب ، وهي تدرك مسبقا إضافةً إلى بعض القوى الدولية، أن استمرار حربٍ واسعة في االشرق الاوسط وتحديدا في منطقة الطاقة في العالم، قد يؤدي إلى أزمةٍ عالمية خطيرة. لذلك بدأت تحركاتٌ دبلوماسية مكثفة تهدف إلى فرض وقفٍ لإطلاق النار في أكثر من ساحة، سواء في الخليج نفسه أو في الجبهات المرتبطة بالصراع في العراق ولبنان.
لكن وقفَ إطلاق النار لا يكون نهاية لهذه الحرب، بل سيكون البابَ الذي يفتح باب المفاوضات الكبرى. ففي هذه المرحلة ستبدأ مفاوضاتٌ إقليمية معقّدة تشمل ملفاتٍ متعددة في وقتٍ واحد. من أبرز هذه الملفات مستقبلُ البرنامج النووي الإيراني، وترتيبات الأمن في المنطقة ، وضمان حرية الملاحة في الممرات البحرية، إضافة إلى إعادة رسم قواعد الاشتباك بين إيران وإسرائيل، واعادة رسم القواعد الملزمة لاسرائيل لعدم قيامها بالاعتداءت
ومن الطبيعي أن تمتد هذه المفاوضات إلى الساحات التي تشهد توترات مرتبطة بالصراع. فلبنان، على سبيل المثال، سيكون حتما جزءاً من أي تسوية إقليمية وهذا سببا من عدة اسباب دفع المقاومة للدخول على خط المواجهة، لأنّ موقعه الجغرافي والسياسي يجعله أحد ميادين التأثر المباشر بالتوازنات الجديدة. وقد تظهر في هذا السياق صيغةٌ تقوم على تثبيت الاستقرار على الحدود الجنوبية، وفتح حوارٍ داخلي حول دور المقاومة وعلاقة السلاح بالدولة عبر استراتيجية امن قومي، بالتوازي مع دعمٍ اقتصادي دولي يساعد لبنان على الخروج من أزماته المتراكمة.
أما في الخليج، فقد تتجه التسوية نحو نظام أمني إقليمي جديد يهدف إلى حماية هذه الدول من احتمالات المواجهة المباشرة بين إيران ودول وإسرائيل. وقد يشمل ذلك تفاهماتٍ حول أمن الممرات البحرية وعدم استهداف المنشآت النفطية، إضافة إلى آلياتٍ للتهدئة ومنع التصعيد.
وفي مراحل لاحقة قد يتم عقد مؤتمر دولي أو إقليمي واسع تشارك فيه القوى الكبرى ودول المنطقة، ويكون الهدف منه تثبيت قواعد الاستقرار الجديدة التي أفرزتها الحرب. مثل هذه المؤتمرات غالباً ما تُستخدم لوضع إطارٍ سياسي وأمني طويل الأمد يمنع تكرار الانفجار العسكري الكبير.
من هنا يمكن القول إنّ السيناريو الأقرب لنهاية هذه الحرب لن يكون انتصاراً مطلقاً لطرفٍ واحد، بل تسوية كبرى يخرج منها الجميع بمزيجٍ من المكاسب والتنازلات. فالتاريخُ الحديث في الشرق الأوسط يُظهر أنّ الصراعات الكبرى تنتهي عادةً عبر إعادة رسم التوازنات، لا عبر القضاء الكامل على الخصوم.
وخاصة بعد الثبات والقدرة الفعالة للنسخة العسكرية الجديدة للمقاومة واعادة تأطير العمليات تحت عنوان التعافي الذي وصل الى مرحلة ذكرنا بعام 2006
ولذلك فإنّ السؤال الحقيقي ليس فقط متى تنتهي الحرب، بل أيُّ شرقٍ أوسط سيولد بعدها. فالحروب الكبرى لا تغيّر الخرائط العسكرية فحسب، بل تعيد تشكيل النظام السياسي والاقتصادي للمنطقة بأكملها ، فهل الحرب الاميركية الايرانية ستقضي على حلم اسرائيل الكبرى؟



