تحقيقات

17 أيار بين الأمس واليوم: من إسقاط اتفاق الإخضاع إلى صراع الإرادات في لبنان المعاصر

كتب: العميد الركن .. الدكتور بهاء حسن حلال

مقدمة

يشكل تاريخ السابع عشر من أيار محطة مفصلية في الوعي السياسي اللبناني والعربي، ليس بوصفه مجرد تاريخ لاتفاقية سياسية، بل باعتباره رمزاً لصراع عميق حول هوية لبنان وموقعه الاستراتيجي وطبيعة علاقته بالمشروع الإسرائيلي في المنطقة. ففي السابع عشر من أيار عام 1983، حاولت إسرائيل، بعد اجتياحها العسكري للبنان واحتلالها العاصمة بيروت، فرض اتفاق سياسي–أمني يكرّس نتائج الحرب ويحوّل لبنان إلى فضاء خاضع للهيمنة الإسرائيلية المباشرة. غير أن هذا المشروع اصطدم برفض شعبي وسياسي واسع، وبصعود مقاومة مسلحة نجحت لاحقاً في إسقاط الاتفاق وإرغام إسرائيل على الانسحاب من معظم الأراضي اللبنانية عام 2000.

اليوم، وبعد أكثر من أربعة عقود، يعود تاريخ 17 أيار ليطرح نفسه من جديد في سياق مختلف شكلاً، لكنه متشابه في جوهره. فمنذ الحرب المستمرة على لبنان منذ عام 2024، تعيش المنطقة تحولات عسكرية وسياسية عميقة، تترافق مع ضغوط دولية وإقليمية لإعادة صياغة النظام الأمني اللبناني، وفتح مسارات تفاوض مباشرة أو غير مباشرة مع إسرائيل، تحت عناوين التهدئة والاستقرار وتنفيذ القرارات الدولية.

ومن هنا تبرز الإشكالية المركزية لهذه المقالة:

هل يشهد لبنان اليوم إعادة إنتاج سياسية واستراتيجية لمسار 17 أيار بصيغة جديدة؟ أم أن التحولات الإقليمية والداخلية أوجدت واقعاً مختلفاً تتغير فيه مفاهيم الصراع والسيادة والمقاومة؟

أولاً: اجتياح 1982 ومحاولة إعادة تشكيل لبنان

شكّل الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 نقطة تحول استراتيجية في تاريخ الصراع العربي–الإسرائيلي. فقد دخلت إسرائيل لأول مرة إلى عاصمة عربية هي بيروت، في محاولة لتغيير التوازنات الإقليمية وإعادة صياغة النظام اللبناني بما يخدم رؤيتها الأمنية والسياسية.

لم يكن الهدف الإسرائيلي عسكرياً فقط، بل كان مشروعاً متكاملاً يقوم على:

القضاء على المقاومة الفلسطينية،

إخراج لبنان من دائرة الصراع العربي–الإسرائيلي،

إنشاء سلطة لبنانية حليفة،

وفرض ترتيبات أمنية طويلة الأمد على الحدود الشمالية لفلسطين المحتلة.

وفي هذا السياق وُقعت اتفاقية 17 أيار 1983 برعاية أميركية، والتي اعتبرها كثير من اللبنانيين والعرب آنذاك اتفاقاً يكرّس الهيمنة الإسرائيلية على القرار اللبناني، ويمنح إسرائيل مكاسب سياسية لم تستطع تحقيقها بالقوة العسكرية وحدها.

لقد كانت الاتفاقية في جوهرها محاولة لنقل نتائج الاحتلال العسكري إلى بنية النظام السياسي اللبناني، عبر فرض معادلة أمنية تجعل من لبنان جزءاً من منظومة الأمن الإسرائيلية في المنطقة.

ثانياً: إسقاط الاتفاق وصعود المقاومة

رغم الدعم الدولي والإقليمي الذي حظيت به الاتفاقية، فإنها واجهت رفضاً واسعاً داخل لبنان، خصوصاً من القوى الوطنية والإسلامية التي اعتبرت أن الاتفاق يمثل انتقاصاً من السيادة اللبنانية وتكريساً للتبعية السياسية والأمنية.

وفي هذه المرحلة بدأ يتشكل مسار جديد داخل لبنان:

صعود المقاومة المسلحة،

توسع العمليات ضد الاحتلال،

وتحوّل الجنوب اللبناني إلى ساحة استنزاف طويلة الأمد للقوات الإسرائيلية.

لقد أثبتت تجربة ما بعد 1983 أن الاحتلال العسكري لا يكفي لإنتاج شرعية سياسية دائمة، وأن أي مشروع يتجاهل البنية الاجتماعية والثقافية والسياسية للمجتمعات يبقى معرضاً للفشل، مهما امتلك من تفوق عسكري.

ومن الناحية الاستراتيجية، مثّل الانسحاب الإسرائيلي عام 2000 تحوّلاً مهماً في المنطقة، إذ للمرة الأولى تنسحب إسرائيل من أرض عربية تحت ضغط المقاومة المسلحة من دون اتفاق سلام شامل أو تسوية سياسية كبرى.

ثالثاً: حرب 2024 والتحولات الجديدة

منذ عام 2024 دخل لبنان مرحلة جديدة من الصراع مع إسرائيل، في ظل حرب ممتدة تجاوزت مفهوم المواجهة الحدودية التقليدية. فقد شهد الجنوب اللبناني والبقاع الغربي عمليات عسكرية متكررة، وغارات واسعة، واستهدافاً للبنية العسكرية واللوجستية، بالتوازي مع تصاعد الضغوط الدولية لإعادة تشكيل الواقع الأمني في لبنان.

لكن السياق الحالي يختلف عن مرحلة الثمانينيات في عدة نقاط أساسية:

1. تغيّر البيئة الإقليمية

في الثمانينيات كان النظام العربي يعيش حالة استقطاب مرتبطة بالحرب الباردة والصراع العربي–الإسرائيلي التقليدي. أما اليوم، فإن المنطقة تشهد:

تفككاً في النظام العربي،

تصاعد النفوذ الإقليمي غير العربي،

وتحولات في أولويات القوى الدولية.

2. تحوّل طبيعة الصراع

لم يعد الصراع مقتصراً على الاحتلال العسكري المباشر، بل أصبح:

-صراعاً تكنولوجياً،
-واستخباراتياً،
-واقتصادياً،
-وإعلامياً.

فالخوارزميات، والطائرات المسيّرة، والحرب السيبرانية، باتت جزءاً أساسياً من بنية الصراع الحديثة.

3. أزمة الدولة اللبنانية

يعاني لبنان اليوم من:

-انهيار اقتصادي،

-ضعف مؤسساتي،

-وانقسام سياسي عميق.

وهذا ما يجعل أي ضغوط خارجية أكثر تأثيراً على القرار الداخلي مقارنة بمرحلة الثمانينيات.

رابعاً: بين التفاوض والسيادة

إن قبول السلطة اللبنانية اليوم بمسارات تفاوض أو ترتيبات أمنية مع إسرائيل يطرح أسئلة حساسة تتعلق بمفهوم السيادة وحدود الواقعية السياسية.

فهناك من يرى أن:

التفاوض ضرورة لحماية لبنان،

ومنع الحرب الشاملة،

واستعادة الاستقرار الاقتصادي.

بينما يرى آخرون أن:

أي تفاوض يجري تحت ضغط الحرب والاحتلال قد يتحول إلى صيغة جديدة من الإخضاع السياسي.

وهنا تكمن المفارقة التاريخية:

ففي عام 1983 حاولت إسرائيل فرض اتفاق من موقع الاحتلال العسكري المباشر، أما اليوم فإنها تسعى إلى فرض ترتيبات جديدة عبر مزيج من الضغط العسكري والاستنزاف الاقتصادي والدعم الدولي.

خامساً: الاستنتاجات الاستراتيجية

1. الثابت في الاستراتيجية الإسرائيلية

رغم تغير الأدوات، بقي الهدف الإسرائيلي الاستراتيجي ثابتاً:

منع تشكل تهديد عسكري على الحدود الشمالية،

وإعادة صياغة البيئة السياسية اللبنانية بما يخدم الأمن الإسرائيلي.

2. تغير أدوات الصراع

انتقلت إسرائيل من:

الاحتلال المباشر، إلى:

إدارة الصراع عبر : -التكنولوجيا

-والضغط الاقتصادي،

-والهندسة الأمنية،

-والتحالفات الدولية.

3. أزمة الدولة الوطنية

تكشف التجربتان، 1983 و2026، أن هشاشة الدولة اللبنانية تشكل المدخل الأساسي للتدخلات الخارجية، وأن غياب مشروع وطني جامع يجعل لبنان ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية والدولية.

4. المقاومة كنتاج للفراغ السيادي

أظهرت التجربة اللبنانية أن المقاومة لم تكن مجرد ظاهرة عسكرية، بل نشأت أيضاً نتيجة:

-ضعف الدولة،
-وعجز النظام الرسمي العربي،
-واستمرار الاحتلال والتهديد الإسرائيلي.

خاتمة

إن المقارنة بين 17 أيار 1983 و17 أيار 2026 ليست مجرد استعادة لذاكرة تاريخية، بل محاولة لفهم التحولات العميقة في طبيعة الصراع على لبنان وهويته ودوره الإقليمي. فبين الأمس واليوم تغيرت الأدوات والخرائط والتحالفات، لكن السؤال الجوهري بقي نفسه:
كيف يمكن للبنان أن يحافظ على سيادته واستقراره في ظل صراع إقليمي مفتوح وضغوط دولية متزايدة؟

لقد أثبت التاريخ أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لفرض الاستقرار أو إنتاج الشرعية، كما أثبت أن المجتمعات التي تشعر بتهديد وجودي قادرة على إنتاج أشكال متعددة من المقاومة السياسية والعسكرية والثقافية.

ويبقى التحدي الأكبر أمام لبنان اليوم هو الانتقال من منطق الساحات المفتوحة إلى منطق الدولة القادرة، ومن الانقسام الداخلي إلى بناء رؤية وطنية تحمي السيادة من جهة، وتمنع الانهيار والحرب الدائمة من جهة أخرى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى