بين التهنئة والرصد… عندما تتحول صورة الضابط إلى معلومة استخباراتية

إعداد: خالد عياد
في الآونة الأخيرة، وكما يحدث بين الحين والآخر، يُلاحظ أن بعض المواقع الإلكترونية وصفحات التواصل الاجتماعي تبادر، بدافع المحبة والتقدير، إلى نشر صور ضباط أو عسكريين عند ترقيتهم أو تعيينهم في مناصب جديدة، مرفقة بعبارات التهنئة والتبريك.
ولا شك أن النية في معظم هذه الحالات تكون صادقة ونبيلة، ولا أحد يشكك في حسن المقصد، إلا أن حسن النية وحده لا يكفي عندما يتعلق الأمر بالأمن. فالمعلومة التي تبدو عادية بالنسبة لنا، قد تكون ذات قيمة كبيرة بالنسبة لجهة تعمل على جمع البيانات وتحليلها.
قد يظن البعض أن نشر صورة ضابط أو عنصر أمني بمناسبة ترقيته أو تسلّمه منصبًا جديدًا هو مجرد لفتة وفاء وتقدير، لكن في عالم الأمن والاستخبارات قد تحمل هذه الصورة قيمة أكبر بكثير مما نتخيّل.

ففي العقود الأخيرة، تغيّرت أساليب العمل الاستخباراتي بشكل كبير. ولم تعد أجهزة الاستخبارات تعتمد فقط على العملاء أو عمليات التجسس التقليدية، بل أصبح جزء مهم من عملها قائمًا على جمع وتحليل المعلومات المنشورة علنًا عبر الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، فيما يُعرف باستخبارات المصادر المفتوحة (OSINT). وتستفيد أجهزة استخبارات مختلفة حول العالم، بما فيها أجهزة معادية للبنان، من هذه المعلومات لبناء قواعد بيانات دقيقة عن الأشخاص والمؤسسات وشبكات العلاقات.
وفي لبنان، الذي يعيش ظروفًا أمنية حساسة، وتبقى مؤسساته العسكرية والأمنية هدفًا دائمًا لمحاولات جمع المعلومات، يصبح الوعي بما ننشره مسؤولية وطنية، وليس مجرد خيار شخصي.
ولتبسيط الفكرة، لنتخيّل أن جهازًا استخباراتيًا يريد جمع معلومات عن ضابط معيّن. قد لا يبدأ بمراقبته ميدانيًا، بل يبدأ من الإنترنت. يبحث عن اسمه، فيجد خبر الترقية وصورته، ثم ينتقل إلى الأشخاص الذين نشروا الخبر أو شاركوه أو علّقوا عليه أو قدّموا له التهنئة. بعدها يبدأ بتتبّع الحسابات المرتبطة به، فيتعرّف إلى أفراد عائلته، وأقاربه، وأصدقائه، وزملائه، والأماكن التي يظهر فيها، والمناسبات التي يحضرها، وشبكة علاقاته الاجتماعية.
كل معلومة قد تبدو بسيطة بمفردها، لكن عند جمع عشرات أو مئات المعلومات وربطها ببعضها، يمكن تكوين صورة شبه متكاملة عن الشخص وبيئته ومحيطه، ومعرفة الأشخاص الذين يمكن الوصول إليه من خلالهم. وهذه إحدى المبادئ المعروفة في العمل الاستخباراتي الحديث، حيث تُجمع “قطع صغيرة” من المعلومات لتكوين صورة كبيرة تساعد في التحليل والرصد.

ومن هنا، فإن نشر صورة ضابط أو عنصر أمني، مع ذكر اسمه الكامل ورتبته الجديدة ومنصبه، وربما مكان خدمته، قد يضيف، من دون قصد، معلومة جديدة إلى قاعدة بيانات تعمل جهات معادية على بنائها وتحديثها باستمرار.
لذلك، ورغم تقديرنا لكل مبادرة تهدف إلى تكريم العسكريين والاحتفاء بإنجازاتهم، إلا أنه ليس من المحبّذ التوسع في نشر صورهم أو معلوماتهم الشخصية أو تفاصيل مناصبهم خارج ما تنشره الجهات الرسمية المخولة بذلك. فالتهنئة يمكن أن تصل بطرق كثيرة، أما المعلومة المنشورة على الإنترنت فقد تبقى متاحة لسنوات، ويمكن لأي جهة الوصول إليها وتحليلها في أي وقت.
ولا يقتصر الأمر على صورة واحدة أو منشور واحد، بل إن الخطر يكمن في تراكم المعلومات. فما ينشره شخص اليوم، ويضيف إليه آخر غدًا، ويؤكده ثالث بعد فترة، قد يتحول مع مرور الوقت إلى ملف متكامل عن شخص معين، من دون أن يدرك أي من الناشرين أنه ساهم، ولو بجزء بسيط، في تكوين هذه الصورة.
إن حماية العسكريين والعاملين في المؤسسات الأمنية لا تكون فقط في الميدان، بل تبدأ أيضًا بحماية معلوماتهم الشخصية وهويتهم الرقمية. فكما نحافظ على سرية الخطط العسكرية، ينبغي أن نحرص أيضًا على عدم تقديم معلومات مجانية قد تُستغل ضد أصحابها أو ضد مؤسساتهم.
وفي زمن أصبحت فيه المعلومة سلاحًا، قد تكون صورة نُشرت بدافع المحبة، أو منشور تهنئة كُتب بحسن نية، جزءًا من معلومات يستفيد منها من يعمل على استهداف وطننا ومؤسساته.

كيف نهنّئ من دون أن نُعرّضه للرصد؟
لا يدعو هذا الطرح إلى الامتناع عن تهنئة الضباط والعسكريين أو التقليل من تقديرهم، بل إلى اعتماد أسلوب يوازن بين واجب التقدير ومتطلبات الوعي الأمني.
فإذا أردنا تهنئة ضابط أو عنصر أمني بترقية أو بمنصب جديد، فالأفضل أن تكون التهنئة مباشرة عبر اتصال هاتفي، أو رسالة خاصة، أو لقاء شخصي، بعيدًا عن النشر العلني الذي قد يتضمن صورًا أو معلومات إضافية.
وإذا كانت الترقية قد أُعلنت رسميًا من المؤسسة العسكرية أو الأمنية، فمن الأنسب الاكتفاء بمشاركة البيان الرسمي الصادر عنها، من دون إضافة صور شخصية أو تفاصيل تتعلق بالموقع أو طبيعة المهام أو أي معلومات غير ضرورية.
فالهدف ليس منع التهنئة، وإنما تقديمها بطريقة مسؤولة لا تفتح بابًا أمام أي جهة قد تسعى إلى جمع المعلومات وتحليلها. ففي زمن أصبحت فيه المعلومة جزءًا من المعركة الأمنية، قد تكون أفضل تهنئة هي تلك التي تصل إلى صاحبها مباشرة، لا تلك التي تصل إلى الجميع.

وفي النهاية، يبقى الوعي الأمني مسؤولية مشتركة تقع على عاتق الجميع؛ إعلاميين، ومديري صفحات، وصنّاع محتوى، ومواطنين. فحماية المعلومة اليوم هي جزء أساسي من حماية الوطن، وأحيانًا يكون الامتناع عن نشر بعض التفاصيل هو القرار الأكثر حكمة، لأنه يحمي من نريد تكريمهم قبل أي شيء آخر.
فلنُهنّئ بمحبة، ولننشر بوعي… لأن حماية من نُكرّمهم هي أسمى أشكال التقدير لهم.


