تحقيقات

ديناميات “الهدنة القسرية” في جنوب لبنان: قراءة تفاوضية–استراتيجية في سلوك الدولة والفاعلين

العميد الركن د. بهاء حلال

مقدمة
يُظهر اليوم الثاني من وقف إطلاق النار مفارقة بنيوية بين اللغة الدبلوماسية والوقائع الميدانية. فبدل أن يشكّل وقف النار إطاراً لخفض التصعيد وتهيئة شروط الاستقرار، تتواتر مؤشرات على استمرار أعمال عسكرية وتقييد حركة السكان، ما يطرح إشكالية تعريف “الهدنة” نفسها: هل هي مرحلة انتقالية نحو تسوية، أم أداة لإعادة تشكيل الوقائع على الأرض بما يخدم موازين قوى لاحقة في التفاوض؟

أولاً: السلوك الميداني كأداة تفاوض غير مباشرة

من منظور نظريات التفاوض، لا ينحصر التفاوض في الطاولة الرسمية، بل يمتد إلى “التفاوض القسري” عبر الميدان (coercive bargaining). أي أن أحد الأطراف يسعى إلى تحسين موقعه التفاوضي من خلال فرض وقائع مادية قبل تثبيت أي اتفاق.

في هذا السياق، يمكن قراءة السلوك الإسرائيلي ضمن ثلاث أدوات تفاوضية رئيسية:

خلق حقائق غير قابلة للعكس (Irreversibility): تدمير البنى التحتية أو تغيير الطابع الديمغرافي المؤقت يهدف إلى رفع كلفة العودة إلى ما كان عليه الوضع سابقاً.
التحكم بالمجال السكاني (Population Control): تقييد عودة المدنيين يندرج ضمن استراتيجية الضغط غير المباشر، حيث يصبح المدنيون جزءاً من معادلة التفاوض.

إدارة الزمن التفاوضي (Time Leverage): استخدام فترة الهدنة كنافذة لإعادة التموضع، ما يعكس إدراكاً بأن “الوقت” مورد تفاوضي بحد ذاته.
هذه الأدوات تشير إلى محاولة تحسين نقطة الانطلاق التفاوضية (starting point) قبل الانتقال إلى أي صيغة سياسية نهائية.

ثانياً: الإطار النظري لتحليل مسار التفاوض المحتمل

لفهم المسار الذي قد يقوده الرئيس جوزيف عون، يمكن الاستناد إلى ثلاثة مفاهيم مركزية في علم التفاوض:

1. أفضل بديل عن الاتفاق (BATNA)
أي اتفاق تفاوضي يُقاس بقيمة البدائل المتاحة. في الحالة اللبنانية، تبدو البدائل محدودة نتيجة:

هشاشة الوضع الاقتصادي
الانقسام الداخلي
الضغوط الدولية والإقليمية

ضعف الـBATNA يؤدي عادة إلى قابلية أعلى لتقديم تنازلات، خاصة إذا اقترن بضغط زمني أو أمني.

2. اختلال توازن القوى (Power Asymmetry)
التفاوض في ظل عدم تكافؤ القوة يفرض على الطرف الأضعف اعتماد استراتيجيات تعويضية (مثل التحالفات أو تدويل الملف). في حال غياب هذه الاستراتيجيات، يتحول التفاوض إلى إدارة خسائر أكثر منه تحقيق مكاسب

3. تجزئة القضايا (Issue Fragmentation)
غالباً ما تُطرح التسويات على شكل خطوات تدريجية: أمنية، إنسانية، ثم سياسية. هذا النمط قد يؤدي إلى تثبيت ترتيبات مؤقتة تتحول لاحقاً إلى دائمة (Path Dependency).

ثالثاً: تقييم النهج التفاوضي المحتمل للرئيس جوزيف عون

النهج الذي يُخشى أن يتبناه الرئيس يمكن وصفه بأنه نهج براغماتي ضاغط نحو التهدئة السريعة. إلا أن هذا النهج يواجه عدة إشكاليات تفاوضية:

غياب رواية تفاوضية واضحة: الصمت أو الغموض في القضايا الميدانية الحساسة يضعف القدرة على بناء موقف تفاوضي صلب.

مخاطر القبول بالترتيبات المؤقتة: أي قبول بإجراءات أمنية انتقالية قد يتحول إلى واقع دائم.
تآكل الشرعية التفاوضية الداخلية: أي اتفاق لا يستند إلى قبول داخلي واسع يكون هشاً وقابلاً للانهيار.

ثالثاً مكرر: ماذا يمكن أن يقدّم لبنان للولايات المتحدة؟ (المقايضة غير المعلنة)

في إطار التفاوض غير المباشر مع الولايات المتحدة، لا تُطرح القضايا عادة بصيغتها الأمنية فقط، بل ضمن حزمة مصالح أوسع. هنا يبرز سؤال جوهري: ما الذي يمكن أن يقدّمه لبنان لتعويض ضعف موقعه التفاوضي؟
ضمن الأدبيات التفاوضية، يُسمّى ذلك “توسيع سلة التفاوض” (Expanding the Pie)، أي إدخال عناصر اقتصادية واستثمارية لتعديل ميزان القوة. ومن أبرز السيناريوهات الممكنة:

إعادة توجيه عقود الطاقة:
قد يُطرح خيار إعادة النظر في تلزيم البلوكات النفطية والغازية، عبر إعطاء دور أكبر لشركات مرتبطة بالسوق الأميركية، بدل الاعتماد الحصري على شركات مثل TotalEnergies.
هذا الطرح، إن حصل، لا يُفهم كقرار اقتصادي بحت، بل كأداة تفاوضية تهدف إلى:
استقطاب دعم سياسي أميركي

ربط المصالح الاقتصادية بالاستقرار الأمني

خلق لوبي مصالح ضاغط داخل واشنطن

التعاون الأمني المؤسسي:
تعزيز دور الجيش اللبناني ضمن ترتيبات أمنية مدعومة أميركياً، بما ينسجم مع مقاربة “الدولة مقابل الفاعلين غير الدولتيين”.
الانخراط في ترتيبات إقليمية أوسع:
سواء في ملفات الطاقة أو إعادة الإعمار، بما يربط لبنان بشبكة مصالح دولية تقلل من احتمالات عزله.

غير أن هذه الخيارات تحمل مخاطر واضحة:

تحويل الموارد السيادية إلى أدوات تفاوضية قصيرة المدى

خلق تبعية اقتصادية–سياسية طويلة الأمد
تعميق الانقسام الداخلي حول خيارات التموضع الدولي

رابعاً: السيناريوهات المتوقعة لمسار المفاوضات
1. سيناريو التسوية المرحلية

اتفاق على ترتيبات أمنية محدودة
تأجيل القضايا السيادية الكبرى
استمرار التوتر منخفض الحدة
2. سيناريو فرض الأمر الواقع

تثبيت تغييرات ميدانية خلال الهدنة
تحويلها لاحقاً إلى بنود غير قابلة للنقاش

3. سيناريو الانهيار السريع

استئناف العمليات العسكرية

فشل التوصل إلى أرضية مشتركة

خامساً: البعد الإقليمي وتأثيره على القرار التفاوضي

لا يمكن فصل المسار اللبناني عن التفاعلات الإقليمية، خاصة في ظل ارتباطه بتوازنات تشمل الولايات المتحدة وإيران.
لبنان في هذا السياق يتحول إلى ساحة تقاطع مصالح، ما يحدّ من استقلالية قراره التفاوضي.

سادساً: المخاطر الاستراتيجية من منظور لبناني

تثبيت وقائع ميدانية تُقيد السيادة

تحويل الهدنة إلى أداة لإعادة رسم الحدود الأمنية

الانزلاق إلى تسويات غير متكافئة

خاتمة
المسار التفاوضي لا يُقاس بما يُعلن، بل بما يُكرّس على الأرض.
قدرة الرئيس جوزيف عون على إدارة هذا المسار ستعتمد على موازنة دقيقة بين الضغوط الخارجية والشرعية الداخلية، وعلى تجنّب تحويل الأدوات الاقتصادية والسيادية إلى أثمان تفاوضية غير قابلة للاسترداد.

¹BATNA:
Best Alternative to a Negotiated Agreement

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى