بلدية بيت الدين.. نشاط بلدي يعزز هوية البلدة السياحية والاقتصادية

فرح جهمي
تصوير: خالد عياد
في قلب الشوف، حيث تتعانق الجبال بالهدوء والبيوت والأزقة القديمة، تقف بيت الدين كواحدة من أبرز الوجهات التاريخية والثقافية في جبل لبنان. وهذه البلدة ليست مجرد محطة سياحية، بل مساحة تختصر فصولاً من تاريخ لبنان، لذلك تحافظ على خصوصيتها كوجهة تجمع بين التاريخ والسياحة والثقافة والطبيعة، وتمنح زوارها الفرصة للعودة بالزمن إلى مرحلة شكلت جانباً أساسياً من هوية جبل لبنان.
وفي هذا السياق، تبرز بلدية بيت الدين في إدارة شؤون البلدة والعمل على تعزيز حضورها السياحي والثقافي، إلى جانب متابعة الملفات الإنمائية والخدمات المحلية التي ترتبط مباشرة بحياة أهالي البلدة والزوار. ومن أجدد نشاطاتها مهرجان ومعرض الصيف 2026، الذي أقيم برعاية البلدية وبتنظيم من شركة 3D GROUP في الساحة الخارجية لقصر بيت الدين العريق، ويتضمن المعرض 38 ستاند من الهدايا والأطعمة متنوعة والتحف والزينة والأشغال اليدوية، بالإضافة الى باقة متنوعة من العروض الموسيقية والغنائية والفنون الاستعراضية بمشاركة نخبة من الفنانين والفرق المحلية والأنشطة العائلية.

وفي حديث عفوي مع رئيس بلدية بيت الدين الأستاد عبدو كرم، أكد أن هذا المعرض ينفذ للمرة الأولى في البلدة، التي تعتمد بشكل سنوي على مهرجانات بيت الدين الصاخبة والتي تستقطب كبار الفنانين ومئات الزوار كل عام، ولكن بسبب الظروف الأمنية والحرب تم إلغاء مهرجانات بيت الدين هذا العام، وكبديل يضفي الحركة على البلدة نفذت البلدية مشروع المعرض بالإشتراك مع 3D group لتأمين التفاعل بين الناس واستقبال الزوار من كل المناطق اللبنانية.

ولفت إلى أن “البلدية بكامل أعضائها وقبل انتخابها كنا قد وضعنا خطة عمل ورؤية مستقبلية لبيت الدين من خلال الوقوف عند حاجات السكان، ونحن بصدد تنفيذ هذه المشاريع، وإذا قدر لنا وتمكنا من تنفيذ من 60 إلى 70 في المئة منها، خلال الـ6 سنوات فهذا انجاز كبير”.
والى جانب المعرض الترفيهي الجامع، تحضّر البلدية خلال الأسابيع القادمة لافتتاح مستديرة بيت الدين في الساحة العامة، حيث تم بناء بركة مميزة مع نافورة مياه محاطة بالإنارة الخلابة والإضاءة الخاصة بالسلامة العامة، وعن هذا المشروع يقول كرم “نحن بصدد انهاء كل شيء ونضع اللمسات الأخيرة على النافورة، وسيكون الافتتاح على مستوى كل لبنان لأن المستديرة توزّع الطرقات لكل الشوف وهي لكل اللبنانيين، وسيكون الاحتفال ضخماً بحضور عدد كبير من رؤساء الاحزاب والفعاليات السياسية والامنية والعسكرية”.
وكذلك تجهّز البلدية لنشاط آخر سيكون جامعاً لأبناء المنطقة ولكل اللبنانيين خلال فترة عيد الميلاد المجيد في كانون الأول (ديسمبر) القادم.
وعلى الرغم من الصعوبات المالية وضعف العائدات، إلا أن بلدية بيت الدين الحالية تمكنت من تنفيذ وعودها للمواطنين الذين يطالبون كما الجميع بالانماء، الكهرباء، المياه، المساعدات الإجتماعية، الطرقات والارصفة، وأكد عبدو كرم أنه “من بداية نجاحنا في الانتخابات كان الوضع المالي للبلدية سيء جداً، والموجود لا يكاد يكفي لتغطية الفواتير السابقة ورواتب الموظفين، ولكن بوجود الإرادة تمكنّا من إحداث فارق وبدأنا بتطبيق مخططاتنا من خلال تأمين الكهرباء لأهلنا الموجودين في البلدة صيفاً وشتاءً، لأنه ليس بمقدور الجميع أن يتحمل تكلفة تركيب الطاقة البديلة، وبالتالي تمكنا من خلال صيانة وإعادة تأهيل مولدة كهربائية موجودة منذ نحو 9 سنوات، وأمنا الكهرباء لأهلنا من الصباح وحتى الواحدة بعد نصف اللليل مقابل التعرفة المحددة من قبل الدولة”.



ولكن طموح أعضاء البلدية لا يقف عند هذا الحد، حيث تمكنوا أيضاً من تأمين مياه الخدمة 24 على 24 لكل البيوت، وهي تسعى للقيام بالشيء نفسه مع الكهرباء، فالمشروع المستقبلي يقوم على مفهوم الطاقة البديلة لتوليد الكهرباء. ويقول كرم “نحن نسعى مع سيدنا مارون عمار للحصول على قطعة أرض مناسبة لتركيب ألواح الطاقة الشمسية لأنها أهم من المولدات، ويمكننا من خلال حسن تنظيمها وإدارتها وتشغيلها من تأمين الكهرباء لأهلنا 24 على 24 وبتعرفة أقل”.
وتسعى البلدية إلى تعزيز الهوية السياحية لبيت الدين ليس فقط من خلال الاثارات والقصور والأزقة والبيوت القديمة، إنما أيضاً من خلال فتح المجال للاستثمارات والمشاريع الجديدة في المنطقة، وهي من أبرز المبادرات التي قامت بها البلدية لإنماء البلدة واستقطاب المزيد من السياح وتعزيز هويتها كوجهة سياحية.
وفي هذا الصدد، أكد رئيس البلدية أنه “منفتح على كل المناطق والطوائف وأنا أؤمن التسهيلات المطلوبة لكل مستثمر قد يفيد البلدة. أنا أرى أن كل معلم سياحي، مطعم أو مقهى هو إضافة مهمة للضيعة، وفرصة لخلق فرص عمل جديدة للشباب كي يبقوا هنا، ولا يضطروا للنزوح إلى بيروت أو السفر إلى الخارج. ومن هذا المنطلق أفتح المجال لأي مستثمر وأسانده لأن ذلك يفيد البلدة وسكانها. وانا أشجع دائماً كل الأفكار وأدعم الشباب لفتح مطعم أو منتجع أو تأجير البيوت عبر Airbnb أو guest house، فالاولوية عندنا للبُعد الاقتصادي، الإجتماعي، والإنمائي للحدّ من البطالة وتنشيط بيت الدين”.


ولفت إلى أن الصعوبات المادية هي العائق الوحيد أمام البلدية والتي تمنعها من تنفيذ كل خططها، لاسيما وأن المداخيل بالقيم التأجيرية والعائدات التي تحصّلها البلدية من مردود قصر بيت الدين، التحفة المعمارية التي بناها الأمير بشير الشهابي الثاني في مطلع القرن التاسع عشر، إضافة إلى مخصصات البلديات التي لا تكفي رواتب الموظفين.
وأكد أنه وأعضاء البلدية “نحن أول بلدية في لبنان أرسلت كتاباً لمديرية الآثار طلبت فيه زيادة تعرفة الدخول على القصر، واجتمعت شخصياً بمدير عام الاثار وطرحت عليه التعرفة المقبولة ليكون هناك مداخيل إضافية للدولة والبلدية (للاجنبي 15$ بدل 800 الف ليرة لبنانية، و العربي 10$ بدل 400 الف ليرة، واللبناني 5$ بدل 100 الف والطالب 2 دولار)، ولكن هذا المقترح قدمناه منذ نحو سنة وكان الجواب انه يجب تعميمه على كل المعالم الاثرية الموجودة في لبنان ولا يمكن تطبيقه ببعض الاماكن”.
وأضاف: “نحن هدفنا أن يتعمم هذا المطلب على كل لبنان لتتمكن كل البلديات من الحصول على مداخيل إضافية تساعدها على تنمية البلدات وتطويرها والنهوض فيها، ولكن هذا الامر يحتاج إلى لجان لأخذ القرار حوله وأنا لا زلت أتابع الأمر دون كلل أو ملل”.









وتُعدّ بيت الدين واحدة من أبرز بلدات قضاء الشوف، ليس فقط لما تتمتع به من طبيعة جبلية وموقع مميز، بل أيضاً لما تختزنه من قيمة تاريخية وثقافية جعلتها وجهة أساسية للزوار والسياح في لبنان، وفي مقدمتها قصر بيت الدين الذي يشكل أحد أبرز المعالم التاريخية في المنطقة، وتمتلك أيضاً قصر المير أمين، الذي تم تحويله إلى فندق تراثي وهو معلم سياحي جميل ووجهة مميزة للراحة والاستجمام وسط الطبيعة والمناظر الخلابة. وهناك أيضاً قصر المير قاسم وهو من القصور المهمة ويضم أقبية عمرها 200 سنة، ولكنه إلى الآن غير مفتوح أمام الزوار لأنه يحتاج إلى قرار من مديرية الآثار، صاحبة السلطة، لاعادة ترميمه والاستفادة من جماله وأهميته التراثية والتاريخية.



