الشرق الأوسط بين الردع والتفاهم
تقييم استراتيجي لاحتمالات انهيار مذكرة التفاهم الأميركية–الإيرانية وانعكاساتها على إسرائيل ولبنان
الشرق الأوسط بين الردع والتفاهم: تقييم استراتيجي لاحتمالات انهيار مذكرة التفاهم الأميركية–الإيرانية وانعكاساتها على إسرائيل ولبنان
بقلم: العميد الدكتور بهاء حلال

تشهد منطقة الشرق الأوسط مرحلة انتقالية تتسم بقدر مرتفع من السيولة الاستراتيجية، حيث تتقاطع المصالح الدولية مع الحسابات الإقليمية ضمن بيئة أمنية لم تستقر بعد على قواعد اشتباك دائمة. فعلى الرغم من أن مذكرة التفاهم الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران أسهمت في تخفيف احتمالات المواجهة العسكرية المباشرة، فإنها لم تعالج الأسباب البنيوية للصراع، بل وضعت إطارًا مؤقتًا لإدارة الأزمة ومنع انزلاقها إلى حرب واسعة.
وتأتي هذه المرحلة في ظل عودة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، بما يحمله ذلك من تساؤلات حول مستقبل السياسة الأميركية تجاه إيران، وحدود الالتزام بمذكرة التفاهم، ومدى قدرة الإدارة الأميركية على الموازنة بين احتواء البرنامج النووي الإيراني، وطمأنة إسرائيل، والحفاظ على استقرار أسواق الطاقة العالمية، وتجنب الانخراط في حرب إقليمية جديدة.
وتسعى هذه الدراسة إلى تحليل البيئة الاستراتيجية الراهنة، واستشراف احتمالات انهيار مذكرة التفاهم، وتقييم تأثير ذلك على إسرائيل ولبنان، انطلاقًا من قراءة تعتمد توازن القوى، وسلوك الفاعلين الرئيسيين، وطبيعة الردع المتبادل الذي بات يحكم الإقليم.
مقدمة
لم يعد الشرق الأوسط ساحة لصراعات ثنائية تقليدية، بل أصبح فضاءً تتداخل فيه المنافسة الدولية مع الصراعات الإقليمية، وتتقاطع فيه الحسابات العسكرية مع الاعتبارات الاقتصادية والتكنولوجية. وأصبحت إدارة الأزمات أكثر أهمية من حسمها، فيما غدت سياسة الردع المتبادل الإطار الأكثر حضورًا في العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل.
لقد أظهرت المواجهات الأخيرة أن جميع الأطراف تمتلك القدرة على إلحاق أضرار كبيرة بالخصم، لكنها في الوقت ذاته تدرك أن الانزلاق إلى حرب مفتوحة قد يؤدي إلى نتائج يصعب التحكم بها. ومن هنا جاءت مذكرة التفاهم الأخيرة باعتبارها محاولة لتنظيم الصراع لا لإنهائه، إذ إنها لم تتناول جذور الخلاف المتعلقة بالنفوذ الإقليمي أو البرنامج الصاروخي أو التحالفات العسكرية، بل ركزت على منع التصعيد واحتواء الاحتكاكات المباشرة.
غير أن طبيعة الاتفاقات الأمنية المؤقتة تجعلها رهينة للمتغيرات السياسية والعسكرية. ولذلك يبقى السؤال المركزي: هل تستطيع إدارة ترامب الحفاظ على هذا التفاهم، أم أن الظروف قد تدفعها إلى العودة إلى الخيار العسكري؟
أولًا: البيئة الاستراتيجية الجديدة في الشرق الأوسط
دخل الشرق الأوسط بعد الحرب الأخيرة مرحلة مختلفة عن تلك التي سبقتها. فميزان القوى لم يعد قائمًا على التفوق العسكري التقليدي وحده، بل أصبح يعتمد على مزيج من القوة الصاروخية، والطائرات المسيّرة، والقدرات السيبرانية، والذكاء الاصطناعي، إضافة إلى الاقتصاد والطاقة.
وفي المقابل، لم تعد الولايات المتحدة اللاعب الوحيد القادر على رسم قواعد اللعبة الإقليمية، إذ برزت أدوار متزايدة لقوى دولية وإقليمية تسعى إلى حماية مصالحها، الأمر الذي جعل البيئة الاستراتيجية أكثر تعقيدًا.
أما إسرائيل، فرغم احتفاظها بتفوقها العسكري والتكنولوجي، فقد واجهت تحديات غير مسبوقة نتيجة اتساع نطاق التهديدات وتعدد الجبهات، وهو ما دفعها إلى إعادة تقييم عقيدتها الأمنية التي كانت تقوم على الحسم السريع ونقل المعركة إلى أرض الخصم.
وفي المقابل، استطاعت إيران أن تثبت امتلاكها أدوات ردع متنوعة، سواء من خلال تطوير قدراتها الصاروخية أو عبر شبكات الحلفاء الإقليميين، ما جعل أي مواجهة مباشرة معها أكثر كلفة من السابق.
أما لبنان، فقد وجد نفسه مرة أخرى في قلب المعادلة الإقليمية، حيث أصبحت ساحته مرتبطة مباشرة بمستوى التوتر بين واشنطن وطهران، وبين إسرائيل ومحور المقاومة، الأمر الذي يزيد من هشاشة وضعه الأمني والاقتصادي.
ثانيًا: لماذا وافقت واشنطن وطهران على مذكرة التفاهم؟
رغم التناقض العميق في المصالح بين الطرفين، فإن كليهما توصّل إلى قناعة مؤقتة بأن إدارة الصراع أقل كلفة من الانخراط في حرب مفتوحة.
فالولايات المتحدة تدرك أن أولوياتها الاستراتيجية لم تعد تتركز في الشرق الأوسط كما كانت خلال العقدين الماضيين، بل انتقلت تدريجيًا نحو منافسة القوى الكبرى، وعلى رأسها الصين، إضافة إلى استمرار الانشغال بالحرب في أوروبا وتداعياتها. ومن ثم فإن الدخول في حرب واسعة مع إيران سيستنزف موارد عسكرية واقتصادية وسياسية تحتاجها واشنطن في ساحات أخرى.
كما أن الإدارة الأميركية تعي أن أي مواجهة عسكرية واسعة قد تؤدي إلى اضطرابات كبيرة في أسواق الطاقة، وإلى ارتفاع أسعار النفط، وانعكاسات اقتصادية قد تؤثر في الداخل الأميركي، وهو ما يمثل عاملًا سياسيًا حساسًا لأي إدارة.
في المقابل، كانت إيران بحاجة إلى فترة من الهدوء النسبي لإعادة ترتيب أوضاعها الداخلية، ومعالجة الآثار الاقتصادية للعقوبات، وإعادة بناء بعض قدراتها العسكرية، مع المحافظة في الوقت نفسه على مشروعها الإقليمي وعدم التخلي عن أوراق القوة التي تمتلكها.
ومن هنا، لم يكن التفاهم تعبيرًا عن تقارب سياسي، بل عن إدراك متبادل بأن الحرب الشاملة لا تحقق في المرحلة الحالية مصالح أي من الطرفين.
ثالثًا: هل يمكن أن ينقض ترامب مذكرة التفاهم؟
يبقى هذا السؤال الأكثر أهمية في المشهد الإقليمي، لأن شخصية الرئيس الأميركي تميل إلى استخدام الضغط الأقصى، وربط الدبلوماسية بإظهار القوة.
ومع ذلك، فإن قرار العودة إلى الحرب لا يخضع لرغبة الرئيس وحدها، بل يتأثر بجملة واسعة من الاعتبارات العسكرية والسياسية والاقتصادية.
فإذا رأت الإدارة الأميركية أن إيران تجاوزت الخطوط الحمراء في ملفها النووي، أو وسعت عملياتها العسكرية بصورة تهدد القوات الأميركية أو حلفاء واشنطن، فقد تتجه إلى إعادة سياسة التصعيد وربما تنفيذ ضربات عسكرية محدودة.
كذلك قد تتزايد احتمالات المواجهة إذا تصاعد الضغط الإسرائيلي على واشنطن، خاصة إذا اعتبرت تل أبيب أن استمرار التفاهم يمنح إيران وقتًا إضافيًا لتعزيز قدراتها العسكرية أو النووية.
إلا أن هذا الاحتمال يصطدم بجملة من القيود، أبرزها أن الحرب مع إيران لن تكون عملية عسكرية قصيرة، بل قد تتحول إلى صراع إقليمي متعدد الجبهات يمتد من الخليج إلى العراق وسوريا ولبنان والبحر الأحمر، بما يحمله ذلك من أكلاف يصعب تقديرها مسبقًا.
ولهذا، فإن الخيار الأكثر واقعية بالنسبة لإدارة ترامب قد يكون الجمع بين استمرار التفاهم من جهة، والإبقاء على سياسة الضغط والعقوبات والردع العسكري من جهة أخرى، بحيث تستخدم القوة كوسيلة لإجبار إيران على الالتزام بالتفاهم، لا كمدخل لإسقاطه.
رابعًا: إسرائيل بين هاجس الردع وحدود القدرة على فرض الحرب
تُعدّ إسرائيل الطرف الأكثر حذرًا من أي تفاهم أميركي–إيراني، حتى وإن تضمّن قيودًا على النشاط النووي الإيراني أو آليات لضبط التصعيد. فمن منظورها الاستراتيجي، لا يُقاس الخطر الإيراني بالبرنامج النووي وحده، بل أيضًا بتراكم القدرات الصاروخية، وتطور الصناعات العسكرية الإيرانية، واتساع النفوذ الإقليمي، وما تعتبره تل أبيب شبكة من الضغوط متعددة الجبهات.
ومن هذا المنطلق، تنظر المؤسسة الأمنية الإسرائيلية إلى أي فترة تهدئة على أنها قد تمنح إيران فرصة لإعادة تنظيم قدراتها وتعويض خسائرها وتعزيز جاهزيتها. لذلك، قد تستمر إسرائيل في الضغط على واشنطن لتشديد العقوبات، أو فرض شروط إضافية على طهران، أو تنفيذ عمليات أمنية واستخبارية محدودة لإبطاء تطور القدرات الإيرانية، دون أن يعني ذلك بالضرورة السعي إلى حرب شاملة.
لكن إسرائيل تواجه اليوم معادلة أكثر تعقيدًا من السابق. فالتجارب الأخيرة أظهرت أن أي مواجهة واسعة لم تعد تقتصر على جبهة واحدة، بل قد تمتد إلى عدة ساحات في وقت واحد، وهو ما يفرض على صانع القرار الإسرائيلي احتساب الكلفة العسكرية والاقتصادية والسياسية لأي قرار بالتصعيد. لذلك، تبدو تل أبيب معنية بالحفاظ على تفوقها العسكري، لكنها في الوقت نفسه تدرك أن قرار الحرب الشاملة لم يعد قرارًا إسرائيليًا خالصًا، بل يرتبط بدرجة كبيرة بالموقف الأميركي وبالتوازنات الدولية.
خامسًا: لبنان… الحلقة الأكثر هشاشة في معادلة الردع
يبقى لبنان من أكثر الدول تأثرًا بأي تحول في العلاقة الأميركية–الإيرانية، لأن موقعه الجغرافي وتركيبته السياسية جعلاه جزءًا من التوازنات الإقليمية. وكلما ارتفع مستوى التوتر بين واشنطن وطهران، ازدادت الضغوط على الساحة اللبنانية، سواء على المستوى الأمني أو السياسي أو الاقتصادي.
وفي المقابل، فإن استمرار التهدئة بين الولايات المتحدة وإيران لا يعني خروج لبنان من دائرة المخاطر، بل قد يخفف من احتمالات الحرب الواسعة مع بقاء التوتر الأمني والضغوط السياسية. وهذا يفرض على الدولة اللبنانية تعزيز مؤسساتها الأمنية، وتحصين وضعها الداخلي، وتجنب الانزلاق إلى مسارات تزيد من هشاشة الاستقرار.
ومن منظور استراتيجي، فإن استقرار لبنان لا يرتبط بعوامل داخلية فقط، بل يتأثر أيضًا بمسار العلاقات بين القوى الإقليمية والدولية، الأمر الذي يجعل أي تغيير في تلك العلاقات ينعكس بصورة مباشرة على الواقع اللبناني.
سادسًا: السيناريوهات المستقبلية
السيناريو الأول: استمرار التفاهم وإدارة الصراع
التقدير النسبي: 50%
يقوم هذا السيناريو على بقاء مذكرة التفاهم إطارًا لإدارة الخلافات، مع استمرار الضغوط السياسية والعقوبات الاقتصادية، ووقوع احتكاكات أمنية محدودة لا تصل إلى مستوى الحرب الشاملة. ويستند هذا الاحتمال إلى إدراك جميع الأطراف أن كلفة المواجهة المباشرة لا تزال مرتفعة، وأن الأولويات الاقتصادية والاستراتيجية تدفع نحو احتواء الأزمة بدلًا من تفجيرها.
السيناريو الثاني: انهيار تدريجي للتفاهم وتصعيد محدود
التقدير النسبي: 35%
يفترض هذا السيناريو أن تتعرض مذكرة التفاهم لسلسلة من الخروقات المتبادلة، بما يؤدي إلى تصاعد الضغوط والعقوبات، وعودة الضربات المحدودة والعمليات الأمنية، دون الوصول إلى حرب إقليمية مفتوحة. ويُعد هذا السيناريو من أكثر السيناريوهات واقعية إذا فشلت آليات إدارة الأزمة أو تصاعدت الضغوط الداخلية على أي من الأطراف.
السيناريو الثالث: انهيار كامل وعودة الحرب
التقدير النسبي: 15%
يتحقق هذا السيناريو إذا تزامنت عدة عوامل في وقت واحد، مثل انهيار المسار الدبلوماسي، وحدوث تطور كبير في الملف النووي الإيراني، أو وقوع هجوم واسع يؤدي إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا الأميركيين أو الإسرائيليين، بما يدفع واشنطن إلى تبني الخيار العسكري. ورغم أن هذا الاحتمال يبقى قائمًا، فإن كلفته المرتفعة على جميع الأطراف تجعله الأقل ترجيحًا في المدى المنظور.
سابعًا: الاستنتاجات الاستراتيجية
تشير المعطيات الراهنة إلى أن الشرق الأوسط دخل مرحلة جديدة لا تقوم على إنهاء الصراعات، بل على إدارتها ضمن حدود تمنع الانفجار الشامل. وقد أصبحت القوة العسكرية تُستخدم بصورة متزايدة كأداة للردع والضغط السياسي، أكثر من كونها وسيلة لتحقيق حسم نهائي.
كما يظهر أن مذكرة التفاهم الأميركية–الإيرانية ليست اتفاقًا يعكس تقاربًا بين الطرفين، بل تعبيرًا عن توازن مؤقت للمصالح، يمكن أن يستمر ما دامت كلفة الحرب تفوق مكاسبها. غير أن هذا التوازن يظل هشًا وقابلًا للاهتزاز إذا طرأت متغيرات ميدانية أو سياسية كبرى.
أما إسرائيل، فستواصل السعي إلى تقليص القدرات الإيرانية ومنع تحول التهدئة إلى فرصة لإعادة بناء القوة، في حين ستعمل إيران على الحفاظ على عناصر ردعها وتجنب مواجهة شاملة قد تستنزف مقدراتها. وبين هذين المسارين، يبقى لبنان ساحة شديدة الحساسية، يتأثر بأي تغيير في ميزان القوى الإقليمي.
الخاتمة
لا يبدو الشرق الأوسط متجهًا نحو سلام دائم، كما أنه ليس على أعتاب حرب حتمية. والأرجح أن المنطقة ستبقى خلال المرحلة المقبلة في حالة “استقرار هش”، تُدار فيها الأزمات عبر مزيج من الردع والدبلوماسية والضغوط الاقتصادية، مع بقاء احتمال التصعيد قائمًا كلما اختلت حسابات أحد الأطراف.
وعليه، فإن مستقبل مذكرة التفاهم الأميركية–الإيرانية لن يتحدد فقط بمدى التزام واشنطن أو طهران ببنودها، بل بقدرة الطرفين على إدارة التنافس الاستراتيجي دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة. وفي ضوء المعطيات الحالية، يبقى سيناريو استمرار التفاهم مع تصاعد الضغوط المتبادلة هو الأكثر ترجيحًا، بينما تظل الحرب الشاملة احتمالًا قائمًا، لكنه مشروط بتحولات جوهرية قد تعيد رسم المشهد الإقليمي بأكمله.



